مقالات: عاشوراء رمز وشعار لمقارعة الاستكبار      •      زيارة النساء للقبور.. هل هي جائزة؟ - 2      •      آثار الدمـــوع      •      السجود على التربة الحسينية      •      النور المتألق ومعنى الأمر الذي ينزل عليه - 2      •      مسائل وردود: قبول التوبة      •      سجدة التلاوة      •      الشك في غسل الجنابة      •      هل يجوز الدخول بالمرأة من الدبر؟      •      في صلاة العراة      •     
» مقالات أخلاقية
» فضيلة الإسرار في الصدقة المندوبة
» الكاتب: الحجة الشيخ محمد مهدي النراقي - قراءات [832] - نشر في: 2013-01-22


لا كلام في أن الإسرار في الصدقة المندوبة افضل من إظهارها للمعطي في إعطائها، ويدل عليه قول الصادق (ع): "الصدقة في السر والله افضل من الصدقة في العلانية". وقوله (ع): "كلما فرض الله عليك فإعلانه افضل من إسراره، وكلما كان تطوعاً، فإسراره افضل من إعلانه".

وانما الكلام في أن الأفضل للآخذ في أخذها أن يأخذها سراً أو علانية. فقيل الأفضل له أخذها سراً، لانه ابقى للتعفف وستر المروة، واسلم لقلوب الناس والسنتهم من الحسد وسوء الظن والغيبة. وعون للمعطي على اسرار العمل، وقد علمت افضلية السر على الجهر في الاعطاء، وأصون لنفسه عن الإذلال والإهانة، واخلص من شوب شركة الحضار، فان المستفاد من الأخبار: أن الحضار شركاء من أهدي له في الهدية. والظاهر ان الصدقة مثلها إذا كان الحضار من أهلها. قال رسول الله (ص): "من أهدي له هدية وعنده قوم، فهم شركاؤه فيها". وقال الباقر (ع): "جلساء الرجل شركاؤه في الهدية". وقال (ع): "إذا أهدي للرجل هدية من طعام، وعنده قوم، فهم شركاؤه في الهدية: الفاكهة أو غيرها". وقيل: الأفضل اخذها علانية، والتحدث بها، لتنقية الكبر والرياء، وتلبيس الحال، وايجابه الإخلاص والصدق، وإقامة منة الشكر، وإسقاط الجاه والمنزلة، وإظهار العبودية والمسكنة، مع أن العارف ينبغي ألا ينظر إلا إلى الله، والسر والعلانية في حقه واحد، فاختلاف الحال شرك في التوحيد.

والحق أن الحكم بأفضلية أحدهما على الإطلاق غير صحيح، إذ تختلف أفضيلة كل منها باختلاف النيات، وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص

فينبغي لطالب السعادة أن يراقب نفسه، ويلاحظ حاله ووقته، ويرى أن أي الحالتين من السر والجهر بالنظر إليه أقرب إلى الخلوص والقربة، وأبعد من الرياء والتلبيس وسائر الآفات، فيختار ذلك، ولا يتدلى بحبل الغرور، ولا ينخدع بتلبيس الطبع ومكر الشيطان. مثلا إذا كان طبعه مائلا إلى الاسرار ورأى أن باعث هذا الميل حفظ الجاه والمنزلة وخوف سقوط القدر من اعين الناس، ونظر الخلق إليه بعين الازدراء، والى المعطى كونه منعما محسناً إليه، أو خوف ألا يعطيه الناس بعد ذلك لعلمهم بما أخذه، فلينتقل عن الاسرار ويأخذها علانية، إذ لو ابقى نفسه على ما استكن فيها من الداء الدفين، وعمل بمقتضاها، صار هالكاً وإن كان طبعه مائلا إلى الاسرار، وأيقن بأن باعث الميل إليه: إبقاء التعفف، وستر المروة، وصيانة الناس عن الحسد، وسوء الظن والغيبة، ولم يكن باعثه شيء من المفاسد المذكورة، فالأولى أن يأخذها سراً. ويعرف ذلك بأن يكون تإلمه بانكشاف أخذه للصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض اقرانه واخوانه المؤمنين، فانه إن كان طالباً لبقاء السر واعانة المعطي على الاسرار، وصيانة العلم عن الابتذال، وحفظ الناس عن الحسد والغيبة وسوء الظن، فينبغي أن يكون طالباً لها في صدقة أخيه أيضاً، إذ يحصل ما يحذر منه: من هتك الستر، وابتذال العلم، ووقوع الناس في الغيبة والحسد بانكشاف صدقة أخيه أيضا. فان كان انكشاف صدقته اثقل عليه من انكشاف صدقة غيره، فتقديره الحذر من هذه المعاني تلبيس من النفس ومكر من الشيطان. وإذا كان طبعه مائلا إلى الإظهار، ووجد منه أن باعث هذا الميل هو التطيب لقلب المعطي، والاستحثاث له على مثله، والإظهار للغير بأنه من المبالغين في الشكر، حتى يرغبوا في الإحسان إليه فليتنبه أن هذا الداء من الداء الدفين الذي يهلكه لو لم يعالجه، فليترك أخذها جهراً والتحدث بها، وينتقل إلى الأخذ خفية. وإن تيقن من نفسه بأن الباعث هو إقامة السنة في الشكر، والتحدث بالنعمة، وإسقاط الجاه والمنزلة، وإظهار العبودية والمسكنة، أو غير ذلك من المقاصد الصحيحة من دون تطرق شيء من المفاسد المذكورة، فالإظهار افضل، ويعرف ذلك بأن تميل نفسه إلى الشكر، حيث لا ينتهي الخبر إلى المعطى ولا إلى من يرغب في عطائه، وبين يدي جماعة يعلم أنهم يكرهون إظهار العطية ويرغبون في إخفائها، وعادتهم ألا يعطوها إلا من يخفيها ولا يتحدث بها ولا يشكر عليها. ثم إذا جزم بكون الباعث إقامة السنة في الشكر، فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطي، فينظر أنه إن كان ممن يحب الشكر والنشر فيخفى الأخذ ولا يشكر، لأن قضاء حقه ألا ينصره على الإثم، وإن كان ممن لا يحب الشكر ولا يطلب النشر، فالأولى ان يشكره ويظهر صدقته.

وينبغي لكل من يراعي قلبه أن يلاحظ هذه الدقائق ولا يهملها، إذ إعمال الجوارح مع إهمالها ضحكة للشيطان وشماتة له، لكثرة التعب فيها مع عدم تصور نفع لها، والعلم بهذه الدقائق وملاحظتها هو العلم الذي ورد فيه أن تعلم مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيى عبادة العمر، وبالجهل به تموت عبادة العمر.

 

وثانيها: الهدية

وهي ما يعطى ويرسل إلى أخيه المسلم، فقيراً كان أم غنياً، طلباً للاستيناس، وتأكيداً للصحبة والتودد. وهو مندوب إليه من الشرع، ومع سلامة القصد والنية يكون عبادة. قال رسول الله (ص): "تحابوا تهادوا، فإنها تذهب بالضغائن". وقال (ص): "لو أهدي إلي ذراع لقبلت". وقال أمير المؤمنين (ع): "لإن أهدي لأخي المسلم هدية أحب إلي من أن أتصدق بمثلها". وقال (ع): "من تكرمة الرجل لأخيه المسلم، أن تقبل تحفته وأن يتحفه بما عنده، ولا يتكلف له شيئًا".

 

وثالثها: الضيافة

وثوابها جزيل، وأجرها جميل، وفضلها عظيم، وثمرها جسيم. قال رسول الله (ص): "لا خير فيمن لا يضيف". ومر (ص) برجل له إبل وبقر كثير، فلم يضيفه، ومر بامرأة لها شويهات، فذبحت له، فقال (ص): "انظروا إليهما، فإنما هذه الأخلاق بيد الله عز وجل، فمن شاء أن يمنحه خلقًا حسنًا فعل". وقال (ص): "الضيف إذا جاء فنزل بالقوم، جاء برزقه معه من السماء، فإذا أكل غفر الله لهم بنزوله". وقال: "ما من ضيف حل بقوم إلا ورزقه في حجره". وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". وقال (ص): "لا تزال أمتي بخير: ما تحابوا، وأدوا الأمانة، واجتنبوا الحرام، وأقرأوا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين". وقال (ص): "إذا أراد الله بقوم خيرًا أهدى لهم هدية. قالوا: وما تلك الهدية؟ قال: الضيف ينزل برزقه، ويرتحل بذنوب أهل البيت". وقال (ص): "كل بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخله الملائكة". وقال (ص): "الضيف دليل الجنة". وقال أمير المؤمنين (ع): "ما من مؤمن يحب الضيف إلا ويقوم من قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر فينظر أهل الجمع، فيقولون: ما هذا إلا نبي مرسل! فيقول ملك: هذا مؤمن يحب الضيف ويكرم الضيف، ولا سبيل له إلا أن يدخل الجنة" وقال (ع): "ما من مؤمن يسمع بهمس الضيف وفرح بذلك إلا غفرت له خطاياه، وان كانت مطبقة بين السماء والأرض". وبكى (ع): يومًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام، أخاف أن يكون الله قد أهانني". وعن محمد بن قيس عن أبي عبد الله (ع)، قال: "ذكر أصحابنا قوماً، فقلت: والله ما أتغدى ولا أتعشى إلا ومعي منهم اثنان أو ثلاثة أو أقل أو أكثر فقال (ع): فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم. قلت: جعلت فداك! كيف ذا وأنا أطعمهم طعامى، وانفق عليهم من مالي، ويخدمهم خادمي؟ فقال: إذا دخلوا عليك دخلوا من الله بالرزق الكثير، وإذا خرجوا خرجوا بالمغفرة لك". وكان إبراهيم الخليل (ع) إذا أراد أن يأكل، خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يتغدى معه، وكان يكنى (أبا الضيفان).

وجميع الأخبار الواردة في فضيلة إطعام المؤمن وسعيه تدل على فضيلة الضيافة، كقوله (ص) بعد سؤاله عن الحج المبرور: "هو إطعام الطعام وطيب الكلام". وقال (ص): "من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات: الفردوس، وجنة عدن، وطوبى شجرة تخرج في جنة عدن غرسها ربنا بيده". وقول الصادق (ع): "من أشبع مؤمناً وجبت له الجنة". وقوله (ع): "من أطعم مؤمنا حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ماله من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا الله رب العالمين". وسئل (ص): "ما الإيمان؟ فقال: إطعام الطعام". وقال: "أن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من أمتى من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام". وقال (ص): "من أحب الأعمال إلى الله تعالى: إشباع جوعة المؤمن، وتنفيس كربته، وقضاء دينه". وقال (ص): "إن الله يحب الإطعام في الله، ويحب الذي يطعم الطعام في الله، والبركة في بيته أسرع من الشفرة في سنام البعير". وقال (ص): "خيركم من أطعم الطعام". وقال (ص): "من أطعم الطعام أخاه المؤمن حتى يشبعه، وسقاه حتى يرويه، بعده الله من النار سبع خنادق، ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام". وفي الخبر: "ان الله تعالى يقول للعبد في القيامة: يا ابن آدم، خفت فلم تطعمني. فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: جاع أخوك فلم تطعمه، ولو أطعمته كنت أطعمتني". وقال (ص): "من سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم". وقال (ص): "من سقى مؤمنا شربة من ماء من حيث يقدر على الماء، أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء، فكأنما اعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل".

 

 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
182996

الاثنين
1-سبتمبر-2014

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع