مقالات: التشريح في التعليم الطبي (2)      •      لماذا تكلم القرآن بأسلوب الظاهر؟      •      المضمون الروحي لفريضة الحج      •      اختيار الزوج وكفاءته      •      البكاء على الحسين (ع) توحيد خالص لله      •      مسائل وردود: العدول عن الفقيه      •      تكوين العلاقات عبر الإنترنت      •      حكم الجنابة للمجنون      •      هل يعد استنشاق هواء عادم السيارة مفطر؟      •      قضاء صلاة القصر      •     
» كيف نبتعد عن المعصية؟
» كيف نستطيع الابتعاد عن المعصية؟
» الكاتب: السيد عبدالكريم الحسيني القزويني - قراءات [9816] - نشر في: 2012-02-01


 

كيف يستطيع الإنسان الابتعاد عن المعصية؟

          الإنسان العاقل الرشيد الذي يحب الخير لنفسه ولمستقبله لا بد أن يتصدى لعلاج مرضه وستر عيوبه وسد نقصه كما يبادر المريض لعلاج نفسه من الذهاب إلى الطبيب المختص إذا أراد لنفسه الشفاء، فكذلك ينبغي للإنسان أن يحتاط لآخرته التي لا بد من الورود عليها، والوقوف عندها، كما قال مولانا أمير المؤمنين (ع):

          ((إنما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من ممرك لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم))

          والإنسان العاقل هو الذي يتجنب الأشياء التي تضر بصحته وتضر بدنياه، فكذلك ينبغي عليه الاحتراز لآخرته، والابتعاد عن المعاصي والذنوب، وخصوصًا إذا علم بأن هناك رقابة إلهية تحصي عليه أنفاسه، وأقواله، وأعماله في السر والعلانية في الليل والنهار، وفي السفر والحضر، وكيف لا تكون هذه الرقابة الإلهية معنا وهي تستمد قوتها وطاعتها من الله العلي القدر، ويمكن حصر وتصوير هذه الرقابة الإلهية بما يلي:

 

          أولاً: المسجل الرباني:

          الإنسان استطاع أن يخترع مسجلة تسجل أقواله، وتضبط مقاله، فكيف بخالق الإنسان؟، فإن الله العلي القدير جعل مع كل إنسان مسجلة تسجل جميع أقواله، من بداية انتباهه من النوم وخروجه إلى أعماله الحياتية، إلى حين استلام فراش نومه، فهي مع الإنسان في سره وعلانيته، وفي ليله ونهار، وفي حضره وسفره، تحصي وتسجل عليه أقواله، وتستمد قوتها وديمومتها من بطاريات ربانية لا نفاذ لها، والقرآن يحدثنا عن هذه الرقابة بقوله تعالى:

(وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)

          فإن الله سبحانه وتعالى يأمر ملائكته الموكلين بالإنسان بتشغيل وتسجيل هذه المسجلة الربانيةـ فإذا حوسب يوم القيامة وعوتب لم استغبت مؤمنًا؟ ولم افتريت؟ ولم قلت المقالة الفلانية؟ وأنكر قوله ومقالته، يأمر الله ملائكته أن يأتوا بهذا المسجل ليستمع شريط مقالته بنفسه، فإذا علم الإنسان العاقل بهذه الرقابة الإلهية، فإنه يبتعد عن الجريمة، ويتجنب الذنب ويفر من المعصية.

 

          ثانيًا: العقل الإلكتروني المحصي لأعمال الإنسان:

          الإنسان محاط بهذه الرقابة الإلهية التي من وظائفها فتح ملف يومي للإنسان، وتسجيل جميع أعماله، وهذا الملف اليومي يكون مع الإنسان في جميع مراحل ليله ونهاره، سره وعلنيته، ويستمد قوته وطاقته من رب عليٍ قدير، وقد صور القرآن هذه الرقابة بقوله:

(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا | إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا)

(ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)

          فإذا قيل للإنسان: لماذا سرقت مالًا؟ لماذا زنيت؟ لماذا شربت خمرًا؟ لماذا تجسست على المسلمين؟ لماذا لا تؤدي دَينك؟ فيتصدى المجرم للإنكار، ويقول ربي لم أفعل. فيأمر الله الملائكة الموكلين به أن يأتوا بالملف الفايل ليقرأ أعماله بنفسه، فإذا رأى جرمه وجريمته طأطأ برأسه نحو الأرض خجلاً من الله العلي القدير، وهذا القرآن يحدثنا بقوله:

(ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها)

          فإذا عرف الإنسان العاقل وجود هذه الرقابة امتنع عن الولوج في المعصية والوقوع فيها.

 

ثالثًا: التلفزيون الربّاني:

          وهذه الرقابة الثالثة تصور جميع أفعال الإنسان وأعماله، على شكل عينيات مصورة، وهي تحيط بالإنسان في كل مراحل حياته الفردية والاجتماعية، العلنية والسرية، في الليل والنهار، وتستمد طاقتها وقوتها من العلي القدر التي لا نفاد لها، فهي تصور جميع تصرفاته وأعماله على شكل فلم مصور لا يغادر من عمل الإنسان كبيرة ولا صغيرة إلا سجلها وأحصاها تصويرًا دقيقًا، فإذا قيل للإنسان لماذا عملت المنكر؟ ولماذا شربت الخمرة؟ ولماذا لعبت قمارًا؟ ولماذا زنيت ولماذا غصبت مالاً .. وإلى آخره، فيدافع عن نفسه بقوله:

          إلهي إني لم أفعل!

          فيأمر الله الملائكة المحدقين به والموكلين عليه أن يأتوا بالعينيات المصور له، والفلم الذي ألم بتصرفاته تصويرًا دقيقًا، فيعرض عليه فيرى أعماله بنفسه مجسدةً ومصورة، وقد وضّح لنا القرآن الكريم هذا المعنى بقوله:

(ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا)

          فالمروي عن الأئمة (ع) حاضرًا أي مجسدًا ومصوّرًا لجميع أعمال الإنسان وأفعاله، ويقول تعالى أيضًا:

(هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)

          وقال تعالى أيضًا:

(يوم تجد كل نفس ما عملت من خيرٍ محضرًا وما عملت من سوء)

 

 رابعًا: شهادة الأعضاء على الإنسان:

          وهذا اللون من الرقابة الإلهية لا يمكن للإنسان أن يتهرب عن الجريمة والاعتراف بذنبه وجريرته؛ لأن أعضاءه من يده، ورجله، وعينيه وجوراحه التي مارس بها المعصية، وارتكب بها الجريمة، فهي التي تبادر للاعتراف عليه، والشهادة بجرمه وجريرته إذا أنكر جرمه ومعصيته، فإذا قيل له: لماذا سرقت؟ فأنكرها، انبرت يده تشهد عليه بالسرقة، وإذا قيل له: لماذا ذهبت إلى المكان الذي يحرم الذهاب إليه؟ فإذا أنكر ذلك تصدت قدماه لتكذيبه والشهادة عليه، وإذا نظرت عيناه إلى ما هو محرم وأنكر ذلك، فتبادر عيناه للشهادة عليه ولإثبات جريمته، وهكذا أذنه لو سمعت غيبة أو نميمة، فإنها تشهد عليه، وهكذا بقيت جوراحه وأعضاءه..

          والقرآن الكريم يحدثنا بآياته عن هذا المعنى بقوله:

(اليوم نختم على أفواههم وتكلّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون)

(يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجُلُهُم بما كانوا يعملون)

(حتى إذا ما جاؤوهم شهِدَ عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم  بما كانوا يعملون)

(وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون)

(وقالوا لجلودِهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أوّل مرة وإليه تُرجعون)

 

          خامسًا: الأرض تشهد بوقوع المعصية:

          يوم القياكة يحصل التحول الكبير في المفاهيم، وتتغير الأوضاع تغيرًا كليًا، فإذا بالأرض الجامدة التي لا يمكن وصفها بالنطق والتعقل، وإذا بها يوم القيامة تنطق وتشهد وتحدث وتخبر معا جرى عليها من أعمال وأفعال وجرائم ومعاصي، فإذا أنكر الإنسان العاصي ذنبه وتنكر لكل ما قيل في حقه، فإذا بالأرض تشهد عليه بما ارتكب من ذنب ومعصية على ظهرها!، والقرآن ينبه الإنسان بهذا المعنى بقوله تعالى:

(إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها يومئذٍ تحدّث أخبارها بأن ربّك أوحى لها)

 

          هذه بعض الرقابات الإليهة التي تحبط بالإنسان، وتحصي عليه ماارتكب من معصية، وما فعل من ذنب..

          فإذا شعر الإنسان بهذه الرقابة التي تحصي عليه أعماله وإذا علم بما يحيط به وما يسجل عليه، فعندها يفر من المعصية، ويبتعد عن الذنب ويتجنب كل جريمة وفعل قبيح، وبهذا ينجو من الولوج في المعاصي، ومن الوقوع في المهالك، وقد قال مولانا أمير المؤمنين (ع):

(إنما الدنيا دار مجاز، والآخرة دارة قرار، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم، ولاتهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم)

 

والحمدلله رب العالمين، وصل الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين..

((أعدته للنشر الحوزة))

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2358687

الثلاثاء
16-يناير-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع