مقالات: أهداف الثورة الحسينيّة      •      ظلم النفس بظلم أهل البيت عليهم السلام      •      زيارة النساء للقبور.. هل هي جائزة؟ - 1      •      كيف يكون الانسان متواضعا؟      •      اختيار الزوج وكفاءته      •      مسائل وردود: الأدلة العقلية على وجود الله تعالى      •      فوات وقت صلاة الليل      •      حكم الوضوء عند سقوط قطرات الماء على مواضع الوضوء      •      قول "آمين" بعد سورة الحمد      •      هل يجوز الخروج من تحت الماء أثناء الغسل؟      •     
» مقالات عامة
» أهل البيت عليهم السلام مواقف وعِبَر
» الكاتب: الشيخ جعفر السعيد - قراءات [12731] - نشر في: 2013-05-15


التتبّع التاريخي لحياةِ وسيرةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) حافلٌ بالمواقف والأحداث الرامية إلى وجود مجتمع قوامُه مبنيٌّ على الأخلاق، والتربية الإسلامية الصحيحة التي تُنشئ جيلا واعدًا صالحا لقيادة الحياة.

فقد دأب الإسلام - ومنذ بزوغ فجره - إلى تنمية الأخلاق في النفس البشرية، وهذا ما بينه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بزغ فجر الإسلام قائلا: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ"(1). ونزولا إلى علمِ الأخلاق ونظرًا لما يقوله علماء الأخلاق فإنهم يثبتون أن للإنسان قوىً في نفسه، وعدّد بعضهم أن قوى النفس أربع، فقد ذكر النراقي في جامعه للسعادات: إن النفس تنقسم إلى قوى، وهي: القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوية، والقوة الوهمية الشيطانية. وإن لكل قوة من هذه القوى جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وهي عديدة لا يسع المقام لذكرها، ولك في ذلك مثالًا على القوة العقلية، فجانب الإيجاب فيها هو العلم والعقل، وجانب السلب هو الجهل، فإذا حكّم الإنسان قوته العقلية على جميع القوى صار إنسانًا كما أراده أُريدَ له.

ولقد تمثلت الإنسانية الحقيقية في أنوار أهل البيت (عليهم السلام)، فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضيته المعروفة التي قال فيها: "فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كان في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فهي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، وأخرجتم وفللتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء. فخرج القوم كأنما أنشروا من القبور"(2)، وهي خير شاهد على خُلُقه الرباني الواسع. وهذا أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) في قضيته التي اغتِيلَ فيها، ووصيته لابنه الحسن (عليه السلام) في قاتله ابن ملجم المرادي لعنه الله. وهذا الحسن (عليه السلام) في قضية طعنه في فخذه. وهذا الحسين (عليه السلام) في حياته التي أبرز مواقفها واقعة الطف. وهكذا كل إمام من الأئمة المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام) فإنهم يمثلون في مواقفهم الإنسانية الحقة التي أرادها الله سبحانه لهم.

وبما أن هذه الأيام تناسب ذكرى شهادة إمامنا الهادي (عليه السلام)، فإن من الجدير معرفة تلك الشخصية وذلك النور وما حواه، إذ لنا فيه (سلام الله عليه) حياة وعبرة، فلقد توفي أبوه وعمره الشريف آنذاك تسع سنوات، ولربما أقل من ذلك كما ذكرت بعض الأخبار والمصادر. وقد عاصر عدة خلفاء، منهم المنتصر والمستعين بالله والمتعز والمتوكل وغيرهم. وظُلم أبشع ظلم على أكثر من صعيد، فلما أن توفي أبوه أخذ الناس في المجيء إليه والتوافد عليه، "فأحبه الناس واجتمعوا عليه والتفَّ حوله العلماءُ وطلابُ العلم، فكان يتصل به الشيعة، وكانوا في عصره أكثر من العصور التي سبقته من عصور النص وعصور الأئمة عليهم السلام، فيتصلون به بالمراسلة والكتابة ويستفتونه في أمور الدين والدنيا وحل المشاكل وغيرها، فصار تحت رقابة الحكام في جميع حالاته، فكتب بُريحة العباسي -وهو أحد أنصار المتوكل وأزلامه-: إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها علي بن محمد فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه وتبعه خلق كثير.

قال يحيى بن هرثمة: فذهبت إلى المدينة، فلمّا دخلتها ضجّ أهلها ضجيجًا عظيمًا ما سمُع الناس بمثله، خوفًا على علي الهادي، وقامات الدنيا على ساق، لأنه كان مُحسنًا إليهم، ملازمًا للمسجد لم يكن عنده مَيْل إلى الدنيا.

قال يحيى: فجعلت أُسكّنهم وأحلف لهم إنّي لم أُؤمر فيه بمكروه، وإنّه لا بأس عليه، ثمّ فتّشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتولّيت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته، فلمّا قدمت به بغداد، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان واليًا على بغداد، فقال لي: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله، والمتوكّل من تعلَم – أقول: إن المتوكل مشهور عنه الظلم والعدوان ضد أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم -، فإن حرّضته عليه قَتَلَه، كان رسول الله خصمك يوم القيامة. فقلت له: والله ما وقعت منه إلا على كلّ أمر جميل.

ثمّ صرت به إلى سرّ من رأى فبدأت بوصيف التركي، فأخبرته بوصوله، فقال: والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك، فلمّا دخلت على المتوكّل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته، وإنّي فتّشت داره ولم أجد فيها إلّا المصاحف وكتب العلم، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكّل وأحسن جائزته وأجزل برّه، وأنزله معه سامراء"(3). أقول: إن إنزال المتوكل للإمام وبرّه وتعظيمه وإحسانه له كل ذلك كان ظاهريا من أجل تهدأة أصحاب الإمام (عليه السلام) وشيعته، ومن أجل أن يعتبر أنصار الإمام (عليه السلام) أن المتوكل محبٌّ للإمام بدليل الإكرام والتعظيم له (عليه السلام)، وواضح موقف المتوكل ومن هو في خطه، إلا تعامل الإمام (عليه السلام) يختلف عن تعامل طاغية عصره، ولا ريب في ذلك؛ إذ هو دليل الله في أرضه لخلقه، والقراءة التاريخية لسيرة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) حافلة بالمواقف المشرفة.

ثم إن هذا ما اعتاد عليه الزمن في جوره، وهو أن من يكون داعية إلى الخير في كلماته، وعظاته، وأفعاله، ومواقفه، فإن الزمن والناس يتكالبون عليه، وينالون منه, ويجورون عليه. وفي التاريخ خير شواهد على ما فُعل بأهل البيت (عليهم السلام)، وبث الوشايات الكاذبة عليهم، وتلفيق التهم بهم من قِبَل الحكام الطغاة.

ولا يخفى عليك؛ فإن هذا يجري حتى في مَن تبعهم، فلا يزال الزمن آخذا بويلاته عليهم، ويجري ما أجراه على أئمة الحق سابقا، ففي زمن الإمام الهادي (عليه السلام) وبالتحديد في السنة السادسة والثلاثين بعد المائتين (236هـ) أمر المتوكل – بعد أن رأى ما رأى من زوار الحسين (عليه السلام) وكثرة توافدهم على قبره وضريحه – بهدم قبر الحسين وإخفاء مآثره وآثاره، بل بحرث الأرض التي بجانب قبر الحسين (عليه السلام) وزرعها، وإخفاء تلك الآثار لقبر الحسين (عليه السلام)، ومنع زواره من زيارته، تضييعا لقبره، وفرض الضرائب على من يزوره، وقتل بعض زواره، وغيرها من الموانع التي وضعها التي أخذت الشهرة منها مأخذها، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، فها هيَ قبة الحسين (سلام الله عليه) تشرق بإشراقة الشمس، وتبزغ ببزوغ القمر، تعانق السماء ذهبًا لامعا ملعلعًا، قد حطّم كبرياء الطغاة، وكسر البغاة، وظل ملاذا ومنارًا للقوي والضعيف والعالي والداني. ولا غرابةَ؛ إذ هم الملاذ الوحيد الذي جعله الله للبشرية، تلوذ به كيف شاءت وأنى شاءت ومتى شاءت، وهم أبواب نجاة فُتحت للناس، فما عذر من أغفل دخول الباب بعد فتحه!

وهكذا – إمعانا في الظلم والغي، وسعيا في محو الآثار والمآثار - أقدم التكفيريون على هدم قبة الإمامين الهاديين عليهما السلام بأرض سامراء، فكما حاول أئمتهم سابقا، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

______________________

الهوامش:

1. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٣٨٢.

2. بحار الأنوار، ج 21، ص 132.

3. سبط بن الجوزي، تذكرة الخواص 322.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2945141

الجمعة
22-مارس-2019

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع