مقالات: علم الأصول عند الإماميين      •      دلالة المعجزة في القرآن      •      ظلم النفس بظلم أهل البيت عليهم السلام      •      دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية      •      هل يمكن أن يتحد العالم؟      •      مسائل وردود: في الدعاء على النفس بالموت      •      لدي خطأ في الوضوء، هل تجب إعادة الصلاة؟      •      ما الدليل على حرمان الزوجة من الأرض التي خلفها الزوج ؟      •      الشك في غسل الجنابة      •      إحراز الحليّة عند الأكل في البلدان الأجنبية      •     
» الفقه الإسلامي
» هل تكفي رؤية الهلال بالمراصد والتلسكوب؟
» الكاتب: آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - قراءات [10137] - نشر في: 2009-03-08


المشهور بين مراجع الدين أنّ رؤية الهلال يجب أن تكون بالعين المجرّدة، ولكن بعض الفقهاء المعاصرين ذهبوا إلى كفاية مشاهدة الهلال بالتلسكوب.

 

ومع تحري الدقّة في الأدلّة الشرعية يتبيّن أنّ الرأي الثاني، مع إحترامنا لجميع آراء المجتهدين، لا يوافق الأدلّة والقواعد الفقهية، لأنّه:

 

أوّلاً: إنّ المعيار الوارد في الروايات المتواترة لثبوت الهلال هو «الرؤية»، ومن ذلك ما ورد في الباب الثالث من أبواب شهر رمضان المبارك في وسائل الشيعة ما يقارب 28 رواية حيث تتفق غالباً على هذا المضمون وهو «إذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فافطر» أو «صمّ للرؤية وافطر للرؤية».

 

ونقرأ في الأبواب اللاحقة أيضاً روايات في هذا المجال، وعندما تتحدث الروايات عن «الرؤية» فتنصرف إلى الرؤية المتعارفة، وهي الرؤية بالعين المجرّدة وغير المسلحة، لأنّ الفقهاء يرون انصراف الاطلاقات في جميع أبواب الفقه للأفراد المتعارفة لا الافراد النادرة جدّاً مثلاً:

 

1- في باب الوضوء، حيث ذهبوا إلى أنّ حدّ الوجه الذي يجب غسله هو ما دارت عليه الابهام والوسطى عرضاً ومن منبت الشعر إلى الذقن طولاً.

ثمّ صرّحوا بأنّ المدار في هذا التحديد هو الأفراد المتعارفة من حيث طول الأصابع ومحل إنبات الشعر وأمثال ذلك، ويجب على الأشخاص غير المتعارفين العمل طبقاً للأفراد العاديين.

 

2- في باب مقدار الكرّ حيث ورد تعيينه بالأشبار، فقالوا بأنّ المعيار هو الشبر المتعارف، وما خرج عن المتعارف فليس بمعيار للكرّ في نظر الفقهاء.

 

3- في باب تعيين المسافة الشرعية لقصر الصلوة وافطار الصيام حيث ورد تعيينها في الفقه بالقدم، والمعيار هو بالاقدام المتعارف.

 

4- في باب الصلاة والصوم في المناطق القطبية، أو القريبة من القطب حيث تكون الأيام والليالي قصيرة جدّاً وغير متعارفة، فقد يكون اليوم عدّة شهور و كذا الليل فإن الكثير من الفقهاء يرون لزوم رجوع سكان هذه المناطق إلى مقدار اليوم و الليلة فى المناطق المتعارفة في تعيين الوقت للصلوة و الصيام.

 

5- في مسألة حدّ الترخص (رؤية جدران المدينة، أو سماع اذانها حيث صرّحوا بأنّ المعيار هو الرؤية بالعين المتوسطة (لا الحادة ولا الضعيفة) والاُذن المتوسطة والأذان المتعارف، وأمّا ما خرج عن الحدّ المتوسط والمتعارف فليس بمعيار لهذه المسألة(1)، وقد ذهب إلى ذلك كبار الفقهاء المعاصرين.

 

6- بالنسبة إلى المنكرات التي يجب فيها حدّ الجلد (السوط) حيث قالوا بأنّ السوط هنا هو السوط المتعارف، فيجب اجتناب السياط الثقيلة وغير المتعارفة، وكذلك السياط الضعيفة والقليلة التأثير.

 

7- في أبواب النجاسات ذكروا أنّه إذا زالت عين النجاسة ظاهراً (كالدم مثلاً) ولكن بقي لونه أو رائحته فهو طاهر، والحال أنّنا إذا نظرنا إلى المحل بالميكرسكوب فإنّنا سنرى ذرات صغيرة من الدم حتماً (لأنّ اللون والرائحة يقترنان عادة بأجزاء المادة) ولكن بما أنّ هذه المشاهدة خارجة عن المتعارف فإنّها لا تكون مناطاً للأحكام الشرعية.

 

8- إذا استهلكت النجاسة في ماء الكر (كما في مثال الدم) فقد ذهب جميع الفقهاء إلى الطهارة، مع أننا لو نظرنا بالميكرسكوب أو المجهر لرأينا ذرات من الدم في ذلك الماء.

 

مضافاً إلى هذه «الموارد الثمانية» فهناك موارد اُخرى في جميع أبواب الفقه نرى فيها أنّ كلام الشارع أو لسان الآية أو الرواية مطلق، وقد ذهب الفقهاء إلى انصرافه إلى «الفرد المتعارف».

ومن المعلوم فيما نحن فيه أنّ المعيار في رؤية الهلال الواردة في الروايات المتواترة هي الرؤية المتعارفة، أي بالعين المجرّدة، وأمّا العين المسلحة فخارجة عن المتعارف وغير مقبولة.

ونحن لا يمكننا أن نتوجه في جميع أبواب الفقه بالنسبة إلى مطلقات الأدلّة إلى الفرد المتعارف، ولكن بالنسبة إلى رؤية الهلال نجعل المعيار والملاك هو الفرد غير المتعارف.

 

ثانياً: ذهب البعض إلى أنّ المعيار في بداية الشهر هو «تولد الشهر في الواقع» وأنّ الرؤية والمشاهدة لها جانب «طريقي» لا «موضوعي». وعلى هذا الأساس إذا علم الإنسان من خلال جهاز غير متعارف بوجود الهلال و تولده، كفى ذلك.

 

وفي الجواب نقول: إنّ ظاهر الروايات يقرر أنّ قابلية رؤية الهلال بالعين المجرّدة لها جهة موضوعية (واكرر أن قابلية الرؤية بالعين المجرّدة) لأنّه:

إذا كان المعيار هو بداية الشهر من جهة واقعية، فسنواجه مشكلة مهمّة لا يمكن قبولها، وهي أنّ بداية الشهر كثيراً يكون قبل إمكان رؤية الهلال بالعين المجرّدة، وبعبارة اُخرى أنّ هناك الكثير من الموارد التي يظهر فيها الهلال في السماء ولكن لا يراه أحد بالعين المجرّدة إلاّ أنّ رؤيته ممكنة في الليلة اللاحقة.

 

وعليه لا بدّ من الاذعان إلى أنّ الهلال في كثير من الأحيان يظهر واقعاً في ليلة سابقة، غاية الأمر بما أنّ أحداً من الناس لم يره بالعين المجردة فإنّ الليلة الثانية ستكون ليلة أوّل الشهر.

 

صحيح أنّ هؤلاء الناس سيكونون معذورين بسبب عدم رؤيتهم للهلال وعدم علمهم بأوّل الشهر ولكن هل يمكن القول بأن المسلمين منذ بداية البعثة وإلى الآن كانوا يقعون في هذا الاشتباه والخطأ مراراً عديدة وبالتالي سيحرمون من إدراك فضيلة ليالي القدر ويصومون يوم العيد لأنّهم لم يخترعوا جهاز التلسكوب فيصلون صلاة العيد في اليوم اللاحق (لأنّ الهلال كان موجوداً في الليلة السابقة ولكن الناس لم يروه بالعين المجرّدة).

 

وحتّى الأشخاص الذين يرون كفاية رؤية الهلال بالتلسكوب يجب عليهم الاذعان إلى هذه الحقيقة، وهي أنّهم في السنوات الفائتة وكذلك مقلديهم كانوا يرون الليلة الثانية لشهر رمضان هي الليلة الاُولى وأنّ عيد الفطر يقع في اليوم الثاني من شوّال لأنّهم لم يكونوا يستخدمون سابقاً التلسكوب، وإلاّ فسوف يعلمون أنّ اليوم الأوّل من الشهر هو اليوم السابق وأنّهم لم يدركوا ليالي القدر كما هي في الواقع هل يلتزمون بهذا الامر؟!

 

إنّ كلّ هذه الاُمور تشهد بأنّ الملاك الحقيقي لمعرفة الشهر ليس هو وجود الهلال واقعاً بل إنّ المعيار قابليته للرؤية بالعين المجرّدة.

 

ولقد قلنا في علم الاُصول أنّ «الامارة» أو «الطريق الشرعي» لا يقع فيه الخطأ كثيراً، وأنّ الناس سيحرمون من درك واقع الأمرلو وقع فيها خطاء كثير، ففي موارد تكون الامارة كثيرة الخطأعن الواقع ينبغي القول أنّ الامارة لها موضوعية لا طريقية (فتدبّر).

 

إنّه من غير المعقول أن يقال بحرمان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسائر المعصومين (عليهم السلام)وجميع المسلمين في السابق من إدراك فضيلة العيد وليالي القدر، بل على العكس نحن نعتقد بأن استخدام التلسكوب في رؤية الهلال يؤدّي إلى أنّ الناس سيحرمون من نيل فضيلة أوّل الشهر وآخره، لأنّ المعيار الواقعي هو رؤية الهلال بالعين المجرّدة.

 

ربّما يتصور البعض بأنّ استخدام التلسكوب بإمكانه إزالة الاختلافات بين المسلمين في هذه المسألة، في حين أن هذا العمل ليس له أثر في ذلك إطلاقاً، لأنّ قدرة التلسكوبات متفاوتة تماماً، وكذلك بالنسبة إلى المناطق التي يتمّ فيها نصب التلسكوب أو من حيث وجود الغبار والبخار في الاُفق، وعليه فيمكن أن يشاهد الهلال بواسطة بعض التلسكوبات والمراصد، ولا يُرى بالبعض الآخر وبالتالي سيبقى الاختلاف بين المسلمين وتتسع دائرة الفرقة.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2356971

الثلاثاء
16-يناير-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع