مقالات: نحن والحسين      •      الانسانية الكاملة      •      الحجّ في موكب التأريخ      •      أمثلة من نظام الخلق الدالة على وجود الله      •      كلمة الجمعة: الركائز التي ارتكزت عليها ثورة الإمام الحسين (ع)      •      مسائل وردود: حكم المفاكهة مع المرأة الأجنبية      •      الأدلة العقلية على وجود الله تعالى      •      لماذا نصلي على النبي في صلاتنا اليومية ؟      •      السجود على التربة من الجهة المنقوشة      •      خمس الأموال المستلمة من الجمعيّة‏      •     
» مقالات عقائدية
» النور المتألق ومعنى الأمر الذي ينزل عليه - 2
» الكاتب: سماحة العلامة السيد كمال الحيدري - قراءات [10476] - نشر في: 2010-07-27


فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: انك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون، يُنزِّل الملائكة بالروح والروح غير الملائكة عليهم السلام.

وفي حديث آخر: (خلق من خلق لله عزوجل أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ويسدّده وهو مع الائمة من بعده. انتهى.

وفي صحيحة أخرى تقول: (لم يكن مع احدٍ ممن مضى غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو مع الائمة يسددهم وليس كل ما طلب وجد). فالملائكة تتنزل لتأخذ الأوامر وليس لإعطاء الأوامر، وليس فقط في ليلة القدر، بل في غير ذلك من الأوقات، فيأخذوا الأوامر في الصباح ثم يرجعوا إليه ليقولوا له ما فعلوا طول النهار.

إذ الموجود في بعض الأذهان أنهم قد يأتون ليعطوا الأوامر، كلا فهو قطب عالم الإمكان وهو مدار الدهر، ولا معنى لأن يكون مدار الدهر آخذاً، بل إنما هو المعطي والذي يدار حوله.

هذه هي الحقيقة الثالثة والبعد الثالث في الدعاء المبارك.

 

البعد الرابع: ولاة الأمر

وقد تكررت مرتَين في الدعاء؛((ولاة الأمر والمنزّل عليهم ما يتنزّل في ليلة القدر))، والأخرى((تراجمة وحيه وولاة أمره ونهيه)).

فمن الواضح أن معناهنّ ليس واحداً، وإلا كان تكراراً بلا موجب، ثم في الأولى(ولاة الأمر) دون إضافة شيء آخر، وفي الثانية(ولاة الأمر والنهي) فالثانية غير الأولى.

من هنا لابد أن نقف قليلاً على معنى الأمر؛ فما هو معناه؟ أما الولاية فقد اتضح معناها وهو التصرف في الأمور وإدارة الشؤون.

ولكن ينبغي الوقوف على معنى الأمر، ولطالما أنت تقول أو تسمع كلمة(صاحب الأمر) فما هو الأمر الذي هو صاحبه؟

وبطبيعة الحال حين نقف عليه ندرك معنى ما يقال أنه صاحب الأمر، وفي هذا المجال يوجد بحث واسع ونحن نحاول اختصاره، فتارة يطلق الأمر ويراد به:

1- الشأن السياسي: ولعل هذا هو المنصرف إلى الأذهان أن صاحب الأمر هو المسؤول والقائد السياسي.

ولذا حينما تقرأ قوله تعالى: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ)).

ينصرف الذهن مباشرة إلى القادة السياسيين سواء كانوا هم الأئمة عليهم السلام أو هم عليهم السلام مع نوابهم الفقهاء؛ وإن كان الحق أن الآية مرتبطة بالأئمة عليهم السلام ولا تشمل غيرهم.

فهل هذا المعنى ثابتٌ لأهل البيت عليهم السلام ؟ نعم هو من الواضحات في القرآن الكريم وحديث الغدير وغيره، فقد قال تعالى وتقدّس: ((النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

وقال الله تعالى: ((وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)).

وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو لعلي عليه السلام((من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه)).

إذن فمن واضحات القرآن والروايات أن الزعامة السياسية والولاية السياسية لأهل البيت عليهم السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- الأمر التشريعي: وهو الذي قاله الدعاء((ولاة أمره ونهيه))؛ أي هو المتصرف في الأمر والنهي؛ أما ما هو معناه؟

قد ينصرف إلى بعض الأذهان أنه التبليغ فقط عن الله تبارك وتعالى سواء في شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى وفي الأئمة عليهم السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم!!

ولكن القرآن والروايات لا تقبل هذا المعنى، فإن لهم عليهم السلام شأناً آخر إضافة إلى قضية التبليغ لحكم الله تعالى.

ولنرجع إلى الروايات _فإنها أوضح في هذا المجال لعامة الأذهان_ وهذه الروايات بالعشرات وأكتفي بواحدة أو اثنتين، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية العين ودية النفس ودية الأنف، وحرم النبيذ وكل مسكر. فقال رجل وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ -أي من غير وحي-

قال: نعم، ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه. انتهى.

فلكي يعلم الله _علماً فعلياً في الخارج_ من يطع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ممن يعصيه، وإلا إذا كان كل ما يقوله صلى الله عليه وآله وسلم هو تبليغ عن الله فقط لم يتضح في الخارج والظاهر من يطيع ويسلم له من غيره.

فلهذا فوّض الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم دائرة من التشريع، وقال له أنت شرّع فيها لأرى طاعتهم، وهذه تنصب في تلك الروايات التي تقول إن الله عزوجل أدب نبيّه فأحسن تأديبه فلما أكمل له الأدب قال((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) ثم فوّض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده فقال عزوجل((ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)).

الرواية الأخرى المرتبطة بأهل البيت عليهم السلام عن أبي جعفر عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً في وحدانيته ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوّض أمورها إليهم فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون ولن يشاءوا الا أن يشاء الله رب العالمين. انتهى.

وهذه النقطة يجب أن تفهم جيداً، وهو أن اعتقادنا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بالإضافة إلى كونهم يبلغون حكم الله تعالى، ولكن هناك دائرة فُوِّض أمر التشريع فيها إليهم عليهم السلام ولا نقبل هذه الحقيقة لغيرهم حتى لو كان ذلك القائل: كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما.

فلا نقبل التشريع لغيرهم، ولعل ما جاء في الدعاء المبارك((ولاة أمره ونهيه)) يشير إلى هذا المعنى من الولاية التشريعية.

وفي هذا المضمون تلك الأخبار أنه لو ظهر الإمام القائم بالحق عليه السلام فأعطى أحدكم مائة وأعطى الآخر عشرة فلا تعترضوا، لأنه يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ولا يشاؤون الا ما يشاء رب العالمين.

فهو تعالى وتقدس جعل قلوبهم أوعية إرادته، وهذه الجملة من الجمل العجيبة، ومعنى الوعاء هو الظرف، فالإرادة الإلهية التي هي((إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)). هذه الإرادة من أي مجرى وظرف تمر ما دامت قد نزلت في عالم الخلق ومرتبة الفعل؟! إنها تمر من قلوب هؤلاء الطاهرين عليهم السلام وهذا معنى ما يقوله بعض علمائنا((واسطة الفيض)) وتعني أنه إذا أراد الله شيئاً فهو يصل من طريق هؤلاء وما يصعد شيء إلا من طريق هؤلاء((بكم فتح الله وبكم يختم)).

3- الأمر التكويني: وفي هذا المجال نطرح سؤالاً عن ماهية الأمر؟

يقول أمير المؤمنين عليه السلام عندما سُئل هذا السؤال،ما هو الأمر الذي أنتم ولاته؟ قال عليه السلام: الذي به تنزّل الملائكة((التي يفرق فيها كل أمر حكيم)) من خلق أو رزق أو أجل وعمل وحياة وموت وعلم غيب السماوات والأرض والمعجزات التي لا ينبغي إلا لله وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه.

فالإمام عليه السلام لم يفسر الأمر بالأمر السياسي أو بالشأن التشريعي بل فسره بالأمر المرتبط بنظام التدبير وبنظام الكون والوجود فمن هنا نفهم معنى(مدار الدهر) لأنه أساساً جعل قلوبهم عليهم السلام(أوعية لإرادته) فإذا أراد أن يصل شيء إلى المحيط فهو إنما يمر من النقطة المركزية وهي قلوبهم الطاهرة المطهرة عليهم السلام.

الزكية عليهم السلام. هذا هو المعنى الثالث للأمر والذي قال عنه الآية((تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ)).

4_ الأمر: بمعنى(كن فيكون): ما هو معنى الأمر؟ قالت الآيات في بيان صفة الإمام في القرآن، وهو يشير لذلك في موضعين:

الأول: ((وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا)).

فالإمام المهدي يهدي بأمر الله المدلول بقوله تعالى(أمرنا).

والموضع الآخر في قوله توالت نعماؤه: ((وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ)).

والآن لو سألنا القرآنَ عن قوله: ((أمرنا)) ما هو؟

أجابك عنه في آخر سورة قلب القرآن يس، علماً أن هذه الآية وما قبلها قلب سورة يس.

قال تعالى: ((إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)).

فماذا يوجد مع الأئمة؟

إنه ليس الأمر التشريعي وليس الأمر التدبيري ولا السياسي إنه أمر(كن فيكون) وهذا هو المعنى الرابع للأمر، ولعله والله العالم عندما نسميه(صاحب الأمر)؛ فمرآنا هو هذا لأنه مصاحب له ولا يفارقه.

هذا ويوجد بحث لغوي لا أريد الخوض فيه، في قوله تعالى سلطانه: ((يَهْدُونَ بِأَمْرِنا)).

هذه الباء ما موقعها هنا؟ بالحقيقة إنها باء المصاحبة أي هم يهدون يصاحبهم أمرنا، ومنه يتضح لماذا نسميه صاحب الأمر وأتصور أن هذا يكفي في هذا المجال بالنسبة للمعنى الرابع.

وهكذا ننتهي إلى هذه النقطة من خلال أربعة مقاطع في الدعاء المبارك فالحديث عندما يقول: ((وولاة الأمر المنزل عليهم ما يتنزل في ليلة القدر)) فهي غير ولاة أمره ونهيه التي هي البعد التشريعي وهذا المقدار القليل الذي بيناه بواسطة هذا الدعاء المبارك، أما بالرجوع إلى غير ذلك من الأدعية والزيارات والروايات ففيها الكثير، ولكن انظر الى هذه الجملة الواردة عنهم عليهم السلام في الزيارة المنسوبة له عليه السلام((السلام عليك سلام من عرفك بما عرَّفك به الله ونعتك ببعض نعوتك التي أنت أهلها وفوقها)). فالقضية ما يتصورها القائل كما قد ورد عنهم عليهم السلام((اجعلوا لنا ربا نؤوب إليه وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا)) وكان المقرر أن يكون كل هذا الذي تقدم كفصل أول يعقبه فصل آخر، ولكننا نرجئ الحديث عنه الى مقام آخر إنشاء الله تعالى ونسأله التوفيق والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

الهوامش:

_______________________

(1) التوبة: 23

(2) التنزيل/5

(3) الذاريات/56

(4) الشعراء/194

 

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2787551

السبت
15-ديسمبر-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع