مقالات: سماحة آية الله الشيخ محمد تقي بهجت (قدس سره) [1334 - 1430]      •      سوء استخدام الأجهزة الذكيّة      •      المضمون الروحي لفريضة الحج      •      الأغراض التربوية في أدعية الإمام السجاد (عليه السلام)      •      هل يمكن أن يتحد العالم؟      •      مسائل وردود: في الصلاة الاستئجارية      •      قول "آمين" بعد سورة الحمد      •      الأدلة العقلية على وجود الله تعالى      •      متى يجوز إسقاط الجنين؟ وهل لعمره دخل في ذلك؟      •      هل يعتبر بلع البلغم أثناء الصوم مفطر؟      •     
» مقالات عقائدية
» ثورة الحق
» الكاتب: آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين - قراءات [10355] - نشر في: 2009-03-09


مرت ليلة عاشوراء قصيرةَ الظل، طويلة َالركوع والسجود، وطلع الفجر من يومها قاتمَ اللون، أحمرَ الجلباب، وتأهَّب التاريخ لإملاء صحيفةٍ جديدة. ملونةٍ بالدم والنور؛ ومدَّت الشمسُ ذراعيها تتلقى بهما دماءً طاهرة، وتحيي أرواحًا زكية، وتدافعت في كربلاء سيولٌ من الظلم، وتراكمت أمواجٌ من الطغيانِ وعادَت أرضُها مجتلَدا للحق والباطل، ومصطَرعًا بين الهدى والضلال، وتنكَّبت فتيانُ عليٍّ سلاحَها تثأرُ للحق الغاضب، وتنتصرُ للدين الناقم.

وحسينٌ أمام فتيانه يبتسمُ للمقاديرِ كيف تجري، وللأيامِ كيف تَدول، ويبتسمُ لهم ابتسامة الظافر، ثم يُلقي تعاليمَ القائد الفاتح: "صبرًا بني الكرام فما الموتُ إلا قنطرةٌ تعبر بكم من البؤسِ والضَّراء إلى الجنانِ الواسعةِ والنعيمِ الدائم".

لِيَقُل التاريخُ في صفةِ الموقف ما يشاءُ ولِيسجِّل في نعتِه ما يريد، فلن يستطيع تحديد ما كان، وهيهات له أن يستطيع على أن الموقف لم يُخلَق للتاريخِ وحده، فكيف يحيط بجميع نواحيه، وللعِبَرِ من وراء التاريخ نظرٌ أعلى وللمنطق ميزانٌ أدق.

يقول التاريخ: قُتِلَ حسينٌ وأُبيدَ أهلُ بيتِه وانتهى بذلك كلُّ شيء، وتقول العبرةُ: لم يُقتَلِ الحسينُ ولم ينتهِ من أمره شيء.

لم تكن حربُ الحسين ويزيد عراكًا بين فردٍ وفرد، ولا قتالاً بين فريقٍ وفريق، وإنَّما هي نضالٌ بين مبدأ ومبدأ ونزاع بين هدف وهدف، والمنتصرُ منهما من أحرز الغايةَ وإن كانَ مقتولاً، والفاتحُ من أدركَ القصدَ وإن كان مخذولاً، لا يزالُ الحسين حيًّا، ما دام مبدؤه في الحياة، وسيبقى الحسين للخلود، لأنه كفل لمبدئه الخلود.

ويقول التاريخ: هي خصومةٌ حادثةٌ ولدت بين هاشمٍ وعبد شمس، ونشأت مع عبد المطلب وأمية، واكتهلت مع محمدٍ وأبي سفيان، ويقول المنطق الصحيح هي خصومةٌ قديمةٌ، نشأت يوم كان الحق حقًّا وكان الباطل باطلاً.

يقول أبو سفيان قبل إسلامه: "أعل هبل أعل هبل" ثم يقول بعد إسلامه: "تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة بأيدي الصبيان فوَالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار".

ويقول حفيده يزيد بن معاوية: "لعبت هاشم بالملك فلا .. خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل".

فهل نجدُ فريقًا بين هاتين العقيدتين لهذين القائلين، وهل غيَّر الإسلام من أمرهما شيئا وإذا تكتَّم الأول بكلمته قليلاً لأنه قالها بين بني أمية؛ وسئل من قبلها "أفي المجلس من يحتشم" فإنَّ الثاني يجهر بها في مجلس الخلافة الإسلامية، وبين جمعٍ حاشدٍ من المسلمين، ولم يكن معاويةُ منهما ببعيد، ولكنه يلمِّح إليهما من وراء حجاب يقول يوم المدائن "ما قاتلتكم لتصَلُّوا ولا لتصوموا وإنما قاتلتُكم لأتَأمَّر عليكم".

أجل إنها عقيدةٌ راسخةٌ توارثتها أمية كابرًا عن كابر، وأخَذَتها طريفًا عن تليد، ولكن يأبى ليزيدَ مجونُه واستهتارُه إلا أن يفضحَ السِّر الذي كتمَه آباؤه، ويعلنَ المبدأ الذي ورثَه عن أسلافِه.

وما عسى أن يتفاءلَ المتفائلون للدين على يد هذا الماجن، وما عسى أن يقول القائلون في حسينٍ إن لم يثُر بحقِّه، ولم يثأر لميراثِ جده.

لقد آن له أن يَهَبَ الحياةَ لوديعتِه، والجهاد صنوف وألوان.
لقد آن له أن يقدِّمها ضحايا من كهولٍ وشبَّان وقرابين من نساء وأطفال.

لقد آن له أن يريَ الباطل صولةَ الحق، وأن يُشهدَ الأرضَ غضبةَ السماء.
لقد آن له أن يثيرَها عاصفةً من قضاء، ويرميها صاعقةً من دماء.

وإذا بذرنا محمدًا في النفوسِ عقيدةً، فقد مزجَها الحسينُ بالقلوبِ عاطفةً، وسقاها من نحرِه دمًا، ليسقيها المسلمون من بعدِه دموعا.

ليس من العجيب أن ينفردَ حسينٌ لتلبيةِ الحق، بل من العجيبِ أن يكونَ الملبي غيرَه.

الحقُّ مبدأ محمدٍ، فلا يكفلُه إلا وراثُ محمد. والدينُ وديعةُ عليٍّ، فلا يحفظُها إلا شبلُ عليٍّ. فليهتفْ حسينٌ يومَ الطف: "إن كان دينُ محمدٍ لم يستقِم .. إلا بقتلي يا سيوفُ خذيني".

لتقول شريكتُه زينبُ في مجلسِ يزيد: "فوالله ما فَرَيْتَ إلا جلدَك وما حزَزتَ إلا لحمَك". وهكذا يفلُّ من أميةَ كل حدٍّ، وينطوي كلُّ عرش، ويبقى الحسينُ خالدًا ما خلدَ القُرآن.
التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2779951

الثلاثاء
11-ديسمبر-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع