مقالات: الإسلام والأسرة في مجتمع متطور      •      من أسباب التخلف      •      حقيق علمي في قصة مسجد (الصبور)      •      ما هي الفروق التي يمكن تصوّرها بين المفاهيم التالية: النبي، الرسول، الإمام؟      •      لماذا تكلم القرآن بأسلوب الظاهر؟      •      مسائل وردود: في النوافل      •      وجوب القنوت      •      حكم صناعة فيروسات الكمبيوتر والإنترنت      •      تقليد الميت ابتداءً      •      الوسوسة في الوضوء      •     
» رجال البحرين (خير أهل المشرق)
» مقدمة فيها عرض تاريخي مجمل
» الكاتب: الشيخ محمد علي حسين العريبي - قراءات [9881] - نشر في: 2009-05-15


ولزم التنبيه إلى أن ما نذكرهم من رواة هم المنتسبون لأهل البحرين القديمة، التي لها امتداد واسع يستوعب كل سواحل الخليج وجزرها الشرقية والجنوبية، وعليه فلا تسمع دعوى خروج أرض البحرين وجزرها الحالية عن تلك الأرض؛ فإنها إحدى جوانبها وجزرها المهمة، التي أطبق المتقدمون والمتأخرون من المؤرخين على شمول التسمية لها واشتراكها مع البحرين الكبرى في الخصائص النسبية والعرقية والمذهبية الباقية لهذا الزمان، بل تقاسمها لأغلب الوقائع الجارية عليها أغلب الفترات، بل إن نفس الجزيرة ومدينتها الكبيرة كانت تسمى البحرين في القرن السادس الهجري على أقل التقادير.

قال الإدريسي (ت 560 هـ) في (نزهة المشتاق) في أول الجزء السادس من الإقليم الأول:

"وهناك من بلاد شمال أرض البحرين: القطيف والزارة والأحساء والعقير والخرج وبيشة وجزيرة أوال وسائر ما بين بلاد البحرين وعمان صحراء تسكنها العرب وهي قليلة الماء" ([1]).

ثم فصل القول فقال:

"ومدن البحرين منها هجر وحمص والقطيف والأحساء وبيشة والزارة والخط التي تنسب إليها الرماح الخطية، وسميت البحرين بجزيرة أوال([2])، وذلك أن جزيرة أوال بينها وبين بر فارس مجرى ومنها إلى بر العرب مجرى، وهي ستة أميال طولا وستة أميال عرضا ومنها إلى البصرة خمسمائة ميل وأربعون ميلا لأن أيضا من جزيرة أوال إلى جزيرة خارك مئتان وأربعون ميلا وجزيرة خارك ثلاثة أميال في ثلاثة أميال وبها زروع وأرز كثير وكروم ونخل وهي جزيرة حسنة كثيرة الأعشاب خصيبة .

وجزيرة أوال جزيرةٌ حسنة بها مدينة كبيرة تسمى البحرين وهي عامرة حسنة خصيبة كثيرة الزروع والنخل وفيها عيون ماء كثيرة ومياهها عذبة، منها عين تسمى عين بو زيدان، ومنها عين مريلغة، ومنها عين غذار([3])، وكلها في وسط البلد، وفي هذه العيون مياه كثيرة نابعة مترعة دفاعة تطحن عليها الأرحاء فالعين المسماة عين غذار فيها عجب لمبصرها؛ وذلك أنها عين كبيرة قدرا مستديرة الفم في عرض ستين شبرا والماء يخرج منها وعمقها يشف على خمسين قامة، وقد وزن المهندسون وحذاق العلماء علوَّ فمها فوجدوه مساويا لسطح البحر، وعامة أهل البلاد التي في هذه الجهة يزعمون أنها متصلة بالبحر ولا اختلاف بينهم في ذلك، وهذا غلط ومحال لا يشك فيه؛ لأن العين ماؤها حلو عذب لذيذ شهي بارد، وماء البحر حار زعاق، ولو كانت كما زعموا لكان ماؤها ملحا كماء البحر.

وفي هذه الجزيرة أمير قائم بنفسه، وقد رضيه أهل الساحلين لعدله ومتانة دينه، ولا يلي مكانه إذا مات إلا من هو مثله في العدل والقيام بالحق.

وفي هذه الجزيرة رؤساء الغواصين في البحر ساكنون بهذه المدينة، والتجار يقصدون إليها من جميع الأقطار بالأموال الكثيرة، ويقيمون بها الأشهر الكثيرة، حتى يكون وقت الغوص فيكترون الغواصين بأسوام أجر معلومة تتفاضل على قدر تفاضل الغوص والأمانة وزمان الغوص في شهر أغشت وشتنبر فإذا كان أوان ذلك وصفا الماء للغطاس وأكرى كل واحد من التجار صاحبه من الغواصين خرجوا من المدينة في أزيد من مائتي دونج والدونج أكبر من الزورق وفي إنشائه وطاء ويقطعها التجار أقساما في كل دونج منها خمسة أقسام وستة وكل تاجر منهم لا يتعدى قسمه من المركب وكل غواص له صاحب يتعاون به في عمله وأجرته على خدمته أقل من أجرة الغطاس ويسمى هذا المعاون المصفي ويخرج الغواصون من هذه المدينة وهم جملة في وقت خروجهم ومعهم دليل ماهر ولهم مواضع يعرفونها عيانا بوجودهم صدف اللؤلؤ فيها لأن للصدف مراعي تجول فيها وتنتقل إليها وتخرج عنها في وقت آخر إلى أمكنة أخر معلومة بأعيانها فإذا خرج الغواصون عن أوال تقدمهم الدليل والغواصون خلفه في مراكبهم صفوفا لا تتعدى جريه ولا تخرج عن طريقه"([4]).

ثم أسهب في ذكر تفاصيل صيد الصدف واستخراج اللؤلؤ وتقسيمه بعد رجوعهم.

قال الحموي في معجم البلدان:

"أوال بالضم ويروي بالفتح جزيرة يحيط بها البحر بناحية البحرين فيها نخل كثير وليمون وبساتين قال توبة بن الحمير من الناعبات المشي نعبا كأنما يناط بجذع من أوال جريرها وقال تميم بن أبي بن مقبل عمد الحداة بها لعارض قرية فكأنها سفن بسيف أوال وقال السمهري العكلي طروح مروح فوق روح كأنما يناط بجذع من أوال زمامها و أوال أيضا صنم كان لبكر بن وائل وتغلب بن وائل"([5]).

"شفار بضم أوله وآخره راء يجوز أن يكون من شفر العين أو شفرة السكين وهي جزيرة بين أوال وقطر فيها قرى كثيرة وهي من أعمال هجر أهلها بنو عامر بن الحارث من بني عبد القيس"([6]).

وكما أسلفنا، فإن أراضي البحرين جزرها وبرها تربطها علاقة واحدة وخصائص متحدة، أشار لبعضها كتاب التاريخ وغيرهم، فهذا الحموي عند ذكره لبُعاث -يصف نخلا كثيرا- يستشد بشعر كثير عزة بن عبد الرحمن فيه ذكر لسماهيج وجواثا من أرض هجر:

كأن حدائج أظعاننا * بغيقة لما هبطن البراثا

نواعم عم على ميثب * عظام الجذوع أحلت بعاثا

كدهم الركاب بأثقالها *غدت من سماهيج أو من جواثا

 

وعند ذكر لسماهيج يذكر معها الخط، فيذكر قول الشاعر:

هوجاء ماجت من جبال يأجوج * من عن يمين الخط أو سماهيج

بل إن الأندلسي (ت 478 هـ) في (معجم ما استعجم)، ذكر سماهيج فقال: " سماهيج : بالبحرين لعبد القيس، وكذلك جواثى"([7])، التي بني فيها أول مسجد بعد مسجد المدينة، وجمعت فيها ثاني جمعة بعد جمعة النبي صلى الله عليه وآله.

ولا يضر تسمية بعض جزر البحرين باسام فارسية، بعد أن تعلم أن كل الساحل الشرقي وعمان واليمن وأغلب أراضي العراق إلى الهند تحت النفوذ الفارسي - قبل الإسلام- دون أن تحكم منهم مباشرة، فهذه جزيرة سماهيج قد ذكر أن الفرس يسمونها (ماش ماهي)([8])، وعربها العرب إلى سماهيج، رغم أنها منتسبة لعبد قيس من لا يشك أنهم عرب أقحاح.

وما هذا إلا مثال على ما ذكرنا من العلقة والإقتران بين الساحلين نسبا وذكرا، ولتوسيع البحث فيه مجال للمتخصيين.

ثم إن هذه البلد الطيب قد سبقت إلى الإسلام من لحقها، ولحقها من الثناء ما سبَّقَها.

روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه لفت لهم قبل وصول وفدهم إليه فقال لصحبه:

"سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق".

ومدح قومها فقال:

"خير أهل المشرق عبد القيس".

و"أنا حجيج من ظلم عبد القيس"([9]).

بل قال الشامي في (سبل الهدى والرشاد): "ودل على سبقهم في الاسلام أيضا ما رواه العقدي في الجمعة من طريق أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين ) - وجواثي بضم الجيم فواو وبعد الألف مثلثة مفتوحة - وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم ، فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الاسلام"([10]) .

وأوصى (صلى الله عليه وآله) العلاء لما بعثه من قبله إلى البحرين جابيا لا أميرا - إذ كان المنذر بن ساوى واليا منصوبا من قبله (صلى الله عليه وآله) - ثم عزله بعد شكايتهم سوء فعله ، وكانت شكايتهم يوم وفودهم على النبي صلى الله عليه وآله بعد كتابه إلى المنذر بن ساوى، فاستعمل مكانه أبان بن سعيد، وهو ممن قفل إلى المدينة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وامتنع عن العمل لأبي بكر التيمي، قال (محمد أبو رية): "وكأنه أنف من أن يعمل تحت إمرة أبى بكر التيمي"([11])، فبعثَ العلاءَ واليا محاربا لمانعي الزكاة عنه، فخاض حروبا طاحنة ومجازر وحصارا شديدا لبني عبد قيس وغيرهم في القطيف وجزيرة تاروت وساحل البحرين استمرت إلى زمن عمر بن الخطاب كلها تحت عنوان الردة ومنع الزكاة أجبرتهم على الهجرة عن موطنهم، حتى عزله وولاّه البصرة في خلافته، فمات العلاء قبل أن يصل إليها، فاستخلف عمرُ عليهم قدامة بن مضعون وهو أخ لأم عبد الله بن عمر زوجته، فشهد الجارود عليه بشرب الخمر عند عمر في المدينة، وذُكرَ أن أبا هريرة شهدَ بذلك أيضا، فعزله وحدَّه بعد تلكؤٍ شديد،  وولى أبا هريرة مكانه، ثم عزله بعد سوء تدبيره وخيانته وقاسمه ماله، وولى عنه عثمان بن أبي العاص.

ويقوى بعد التتبع أن هجرة جمع من البحرانيين لموطنهم هَجَر إلى البصرة -كما يأتي في ترجمة بعض رجالاتهم كعمرو بن مرجوم الذي صحب أمير المؤمنين عليه السلام وكان أول من أقدم بني عبد قيس البصرة- هي ما فعلته حروب رفض بيعة من تَنَصَّب بعد النبي صلى الله عليه وآله، ومنعِهمُ الزكاةَ عن غير المستحق الشرعي لها، مع كون البحرين أهم مصدر لبيت المال في ذلك الزمان([12]).

وقد اشتهرت البحرين برفض الحكم القائم بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله قرون عديدة، حتى أن الحموي ( 626 هـ) ذكرها مشيرا لاشتهار أمر تشيعها بين القرنين السادس والسابع على أقل التقادير، قال عند ذكره لعمان: " وأكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية ليس بها من غير هذا المذهب إلا طارئ غريب وهم لا يخفون ذلك ، وأهل البحرين بالقرب منهم بضدهم كلهم وروافض سبائيون لا يكتمونه ولا يتحاشون وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريبا"([13]).

وبعد هذا الذي مهدنا وقدمنا به الكلام، ننبه مرة أخرى على أنا لم نأت على جملة أعلامهم، إلا أنَّها حوت -إن شاء الله- ما تقر به عين الطالبين لها.



([1])  الإدريسي، الشريف، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ط 1، 1989، عالم الكتب، بيروت.

([2])  مقصوده أن جزيرة أوال سميت البحرين؛ لأن بينها وبين فارس مجرى في البحر، وبينها وبين بر العرب مجرى آخر.

([3])  يقصد عين عذاري.

([4])  نزهة المشتاق 1: 386-390

([5])  الحموي، ياقوت، معجم البلدان 1: 274، دار الفكر، بيروت.

([6])  الحموي، ياقوت، معجم البلدان 3: 353، دار الفكر، بيروت.

([7])  البكري الأندلسي، عبد الله، معجم ما استعجم 4: 1282، ط3، عالم الكتب، 1983 م، بيروت.

([8])  أنظر صحاح الجوهري 1: 323، مادة (سمهج)، ط4، دار العلم للملاين، 1987، بيروت.

([9])  أنظر مسند أحمد 4: 206، الطبقات الكبرى 1: 314.

([10])  الشامي، محمد بن يوسف، سبل الهدى والرشاد 6: 370، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993 م.

([11])  أبو رية، محمود، شيخ المضيرة أبو هريرة، دار المعارف، ط3، مطبعة الأعلمي.

([12])  أنظر الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 563 (تسمية من كان بالبحرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله).

([13])  معجم البلدان 4: 150.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2368226

الأحد
21-يناير-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع