مقالات: حياة الإمام علي الهادي (ع) العامرة بعظمة الإسلام      •      الشباب في كربلاء      •      الحكمة من عصمة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام      •      مواجهة الإمام الصادق (عليه السلام) للأفكار المنحرفة      •      لكي نجد المهدي (عجل) في القرآن      •      مسائل وردود: السجود على التربة من الجهة المنقوشة      •      هل يجوز الخروج من تحت الماء أثناء الغسل؟      •      هل تخمَّس الهدايا بعد مضي المدة المحددة لها      •      هل ما يدعيه "أحمد الحسن" بشأن الحجة صحيح؟      •      فوات وقت صلاة الليل      •     
»
» الشباب في كربلاء
» الكاتب: هاشم معروف الحسني - قراءات [10160] - نشر في: 2009-12-15


إذا كانت مطامح الشباب عيشًا رغيدًا، ومستقبلاً سعيدًا حافلا بكل ألوان النعيم، كما نشاهد ونرى فشباب كربلاء كانت كل أمانيهم ومطامحهم صمودًا في الأهوال، وصبرًا في البأساء، واستشهادًا بحد السيوف، ولم يكن لتلك الفتوة الغضة والصبا الريان أن تهتم أو تفكر بما أعد لها من غضارة الدنيا وما ينتظرها من صفو الحياة ولهوها ومتعها بل كان كل همهم التطلع إلى أي سبيل من سبل الشهادة يعبرون وأي موقف من مواقف البطولات يقفون.

 

هناك وعلى مشارف العراق وفي الطريق إلى كربلاء كان الحسين (ع) يسير على رأس قافلة الشباب الأبطال متحديا أقوى سلطة وأبشع طغيان وأسوأ من عَرَفَهُ التاريخ من الحاكمين متحديا كل ذلك بسبعين من الرجال والشباب ليحطم بهذا العدد القليل قوى الشر والطغيان ومعاقل البغي والعدوان وليعلم أبناء آدم كيف يموتون في سبيل العزة والكرامة.

 

كان يسير أبو عبدِالله على رأس تلك القافلة ممن اصطفاهم الله إلى الشهادة التي لم يجد وسيلة غيرها تحفظ لشريعة جده مما كان يخططه لها الحزب الأموي الحاكم الذي سخّر جميع طاقات الأمة وامكانياتها وفئاتها للقضاء عليها.

 

كان يسير إلى الشهادة ومن حوله عشرون شابًّا أو أكثر من بنينه، وأخوته، وأبناء أخيه الحسن السبط (ع)، وأبناء أخته، بطلة كربلاء، وشريكته في الجهاد، والتضحيات، وأحفاد عمه عقيل بن أبي طالب، وما أسرع أن كبّر قائلا: الله أكبر، ولم يكن الموقف موقف تكبير فلا بد وأن يكون تكبيرة لأمر ما أو لهم من همومه أراد أن يستنجد عليه بالله سبحانه وإذا كان للتكبير روعته مهما كانت دوافعه وأسبابه فما احسب أن تكبيرًا في تلك الساعة كان له من الروعة ما كان لتكبير الحسين (ع) وهو منطلق في تلك الصحراء المديدة إلى الهدف الأسمى والغاية العليا تحت سماء العراق الصافية. على رأس ذلك الركب كبّر الحسين فكانت تكبيرة لم يعرف التاريخ تكبيرًا أكثر منها دويًا، تكبيرة اقتحمت تلك البيداء ومضت من صعيد إلى صعيد تهز النفوس وتثير الضمائر الحية وتحض على الظالمين والعابثين بتراث محمد ورسالته.

 

وما كان لعلي الأكبر -ابن العشرين الذي كان يسير إلى جنب أبيه- إلا أن يسأل: "لم كبّرت يا أبتاه؟" فقال له: "لقد خفقت خفقة فعنّ لي هاتف وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير في إثرهم فعلمت أن نفوسنا نعيت إلينا".

 

لقد كان جواب الحسين لولده موجزًا وبكلمة واحدة لا مواربة فيها ولا تمويه؛ إنه الموت ينتظرنا على الطريق وسوف نموت ولا نستسلم للطغاة ولا نهادن الجور والتسلط على عباد الله والمستضعفين في الأرض، مع أنه لا سبيل لنا إلى استنهاض ثورة عارمة تدك عروش اولئك الطغاة بقوتها المادية تنتصر عليهم بقوة السلاح وكثرة الرجال.

 

إن سبيلنا الوحيد هو بين أيدينا ورهن إرادتنا؛ وهو أن نكون وحدنا الثورة ومن غير المعقول أن نتغلب بهؤلاء السبعين على ألوفهم ونهزم بهم سبعين ألفًا من رجالهم ولكن باستطاعتنا أن نقلب الدنيا على رؤوسهم إذا ضحينا وقتلنا في سبيل الإسلام ورسالته.

 

وكان الحسين (ع) وهو يلقي كلماته هذه على ولده علي الأكبر -ابن العشرين- وأشبه الناس بجده الرسول الأمين خَلقا وخُلقا يريد أن يسمع رأي ولده الأكبر ولم ينتظر الإمام طويلاً حتى سمع جواب الشاب الذي بادره بقوله: يا أبتاه لا أراك الله سوء أولسنا على الحق، هذا هو القول الفصل عند علي بن أبي طالب وأبنائه شيوخًا وشبابًا والقرار الأول والأخير أنهم يسعون إلى الحق ويعملون من أجله ويحاربون الباطل وحيث يكون الحق فهو هدفهم وغايتهم مهما كلفهم ذلك من جهود وتضحيات.

 

أولسنا على الحق يا أبتاه؟ هكذا كان جواب الأكبر ابن العشرين لأبيه، وكان رد الحسين عليه السلام: بلى والذي إليه مرجع العباد، ورد عليه ولده بقوله: إذن لا نبالي بالموت ما دمنا نموت محقين.

 

إن الحسين (ع) لم يكن ينتظر من ولده غير هذا الجواب، ولكنه لم يتمالك إلا أن يزهو بمثل هذه الروح التي يحملها شاب في مطلع شبابه فرد عليه قائلا: جزاك الله من ولد خير ما جزي ولداً عن والده.

 

إن علي الأكبر بكلماته هذه لم يكن يعبر عن نفسه وروحه خاصة بل كان يتكلم باسم الشباب العشرين من أحفاد أبي طالب وكان يعلن قرارهم الأخير الذي هاجروا من المدينة لأجله وكان في طليعة أولئك الشباب العشرين العباس بن علي أكبرهم سنا وكان الحسين يحبه حب الأخ لأخيه والوالد لولده الوحيد وللعباس من المؤهلات والصفات الفاضلة ما جعله محببا لكل عارفيه، وكما تكلم الأكبر باسم الطالبيين جميعًا فقد تكلم العباس باسمهم بمناسبة أخرى وبنفس الروح والعزيمة والاستهانة بالحياة التي كان يحملها الأكبر وذلك عندما عرض عليه ابن ذي الجوشن الأمان لاتصال أمه أم البنين بنسبه فرد عليه العباس بعد أن أمره الحسين بالرد عليه قائلا: "لعنك الله ولعن إمامك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له"، ولقد كرروا تصميمهم على التضحية في سبيل الحق الذي يمثله الحسين مرة أخرى وذلك عندما جمع الحسين أنصاره وأهل بيته وأذن لهم بالإنصراف وقال: أن القوم لا يريدون غيري وقد أذنت لكم بالإنصراف في ظلمة هذا الليل فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وكان أول المتكلمين باسمهم جميعًا العباس بن علي فقال: "ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك يا أبا عبدالله لا أراني الله ذلك أبدًا، وتتابعوا جميعًا على الكلام بنفس الروح واللغة التي تكلم بها العباس".

 

وفي اليوم العاشر من المحرم -اليوم الحاسم الرهيب- كان الشباب أحفاد أبي طالب يتسابقون إلى الموت بأرواحهم الطيبة السخية بالبذل والفداء في سبيل الحسين، وكما كان الأكبر يتكلم باسمهم ويعبر عما في نفوسهم وضمائرهم فقد كان أول شهيد من أولئك الشباب الأبطال.

 

وتناولته السيوف والرماح بعد أن فتك بهم فتكا ذريعًا وقتل نحوًا من مائتين من فرسانهم وأبطالهم الأشداء، وأدى للبطولة حقها وللشهادة كرامتها وتتابع الطالبيون من بعده شابًا بعد شاب دفاعا عن الحق والعقيدة وكرامة الإنسان ومبادئ الإسلام مطمئنين بالمصير الذي أعد لهم والنصر المبين.

 

عشرون شاباً من نسل أبي طالب وأحفاد محمد بن عبدالله رفضوا الذل والهوان ومشوا إلى الموت بأنوف شامخة، ورؤوس مرفوعة عالية، لحماية الإسلام من الوثنية والجاهلية الرعناء التي حمل لوائها يزيد بن ميسون بعد أبيه معاوية وجده أبي سفيان عدو الإسلام الأكبر الذي أرغمه الإسلام على الإستسلام عام الفتح ووقف بين يدي محمد بن عبدالله ذليلاً يستجديه العفو والصفح. مشوا إلى الموت يرددون مقالة جدهم أبي طالب وهو يخاطب أبا سفيان وحزبه يوم كانوا يطاردون النبي في مكة ويسومونه كل أنواع العسف والجور ويساومون أبا طالب ليتخلى عنه وهو يقول لهم:

 

كذبتم وبيت الله نخلي محمدًا * ولما نطاعن دونه ونناضل
وننصره حتى نصرع حوله * نذهل عن أبنائنا والحلائـل

 

إن أبا طالب حينما أنشد هذين البيتين لم يقصد بهما نفسه ولا جيله من الهاشميين والطالبيين؛ بل كان يقصد بهما كل هاشمي من نسله ويناشد كل جيل من أحفاده أن يضحي بنفسه وبكل ما لديه عندما يرى رسالة محمد معرضة للتحريف والتزوير والاستغلال كان يخاطبهم من وراء الغيب أينما وجدوا ليكونوا حماة لرسالة محمد ونهجه، وهكذا كان فلقد نفذوا جميع وصاياه وناضلوا وضحوا بأنفسهم من أجلها حتى استشهدوا حول الحسين تاركين للعالم وللتاريخ صورًا ناصعة من الوفاء ودروسًا غنية بالعطاء والمثل العليا تستلهم منها الأجيال كل معاني الخير والنبل والفضيلة.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2544263

السبت
21-أبريل-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع