مقالات: النبوة والإمامة توأمان      •      الأمثال القرآنية وانسجامها مع البيئة      •      من أسباب التخلف      •      نافذة إلى معرفة الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)      •      في أسباب الغيبة وطول العمر      •      مسائل وردود: هل یجوز الزواج من اخت الملوط به؟      •      صيام البنت حديثة البلوغ      •      الجنابة والحيض      •      الصلاة في حجر اسماعيل      •      العلاقات و الاختلاط في الجامعات الدراسية      •     
»
» الصوم دروس الحياة
» الكاتب: السيد محمد حسين فضل الله (قده) - قراءات [10115] - نشر في: 2011-08-04


الانتصار على العادة:

في أجواء شهر رمضان المبارك، وفي رحاب لحظاته ولياليه وفي مسيرة صومه، نتعلم من الصوم دروساً للحياة، ودروساً للعمر تحضيراً للنتائج المستقبلية..

فالدرس الأوّل الذي نتعلّمه من الصّوم هو التمرد على العادات التي نعتادها في حياتنا، فلكلٍّ منّا في حياته عادة، قد تكون محلّلة وقد تكون محرّمة، وهناك عادات ننطلق بها في حياتنا الشخصية، وهناك عادات ننطلق بها في حياتنا الاجتماعية، وعلينا أن نستفيد من الصّوم، أن نتحرّر من عبودية العادة، أن لا نكون عبيداً لعاداتنا، لأن عاداتنا قد تضغط علينا فتشلّ كلّ قدراتنا على المستوى الصحّي وعلى المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الشرعي في ذلك كلّه.

ففي الصّوم تنتصر على عاداتك، لا سيّما ما يتعلّق منها بعادات الطعام والشراب اليومي، فحين يأتي شهر رمضان المبارك يقلب كل عاداتك ويغيرها، فإذا كانت عندك عادات سيئة تضر صحتك وتضرّ دينك وتضر عقلك وتضرّ حياتك وأوضاعك الاجتماعية، فاستعن بالقوّة التي حصلت عليها في محاربة عاداتك اليومية، لتكون أساساً للانتصار على عاداتك الأخرى التي قد تكون عادات محرّمة وقد تكون محللّة. لأن الله تعالى يريدك كمؤمن أن تكون حرّاً، أن لا يضغط عليك أحد إلا إيمانك، أن لا تضغط عليك عاداتك، وأن لا يضغط الناس عليك من حولك لأن الله يريد للإنسان المؤمن دائماً إذا جاءه أمر الله ونهى الله أن يكون حراً في الإمتثال لأمر الله ونهيه، وإذا أراد الناس منه أن يتحرك يميناً ويساراً في غير مصلحته، وفي غير ما يريده الله، أن يقول «لا» من موقع الحرية وأن يقول نعم من موقع الحرية، لأنّ الذين يعيشون العبودية لعاداتهم يعيشون معنى العبودية في شخصيتهم وبذلك فإنهم مؤهلون لأن يكونوا عبيداً للطغاة ولأن يكون عبيداً للمستكبرين ولأن يكونوا عبيداً للكافيرن.

لهذا يريد الله منك أن تكون الحرّ لتستطيع أن ترفض من موقع إرادة وتستطيع أن تقبل من موقع إرادة لهذا علينا أن ننتصر على عاداتنا من خلال ما نتعلّمه في صومنا من الانتصار على العادة.

 

الصوم: صبر

الدرس الثاني الذي نأخذه من الصوم هو الصبر، فكّلنا في يوم الصوم نعيش الحرمان ونصبر، نعيش الحرمان في ما نحب من مأكولات ومشروبات وملذّات وشهوات، ولكنّ النّفس تلح علينا ونحن نتحمّل الحرمان في ذلك كلّه، نصبر، نضغط على أنفسنا، نضغط على إرادتنا، نصبر ونحن نتألّم، نتألّم لأن ما نشتهيه أمامنا ولا سبيل إليه.. لهذا نحن نصبر في شهر رمضان، ولا بدّ لنا أن نتعلّم الصّبر في الحياة كلّها ليكون شهر رمضان المدرسة التدريبية التي نتدرّب فيها على أن نمنع أنفسنا عن بعض شهواتها، ونصبِرُ على كلّ المشاعر المضادة لما نريد، كلّ المشاعر التي تفترس حياتنا.

 

والصّبر على أقسام: صبر على البلاء، إذا جاءك البلاء من كل جانب، سواء كان بلاءً في خطك العقيدي أو في خطك الشرعي أو في خطك الجهادي أو في خطك السياسي، إذا جاء البلاء اصبر وتعلّم من الصّوم كيف تضغط على نوازعك الذاتية في ذلك كلّه، كيف تضغط على تطلعاتك الذاتية، تعلّم كيف تكون الصابر في مواقع البلاء كما أنت الصابر في مواقع الحرمان في الصّوم، وتعلّم أيضاً أن تصبر على طاعة الله، وطاعة الله قد تكلِّف الإنسان الكثير من جهده، قد تجعلك طاعة الله تخسر مالاً في ما يريدك الله أن تدفع المال فيه، وقد تحرمك طاعة الله جاهاً في ما يُريدك الله فيه أن تتنازل عن جاهٍ محرّم، وقد تخسرك طاعة الله جهداً وقوّة، وقد تخسرك طاعة الله حياتك في بعض الحالات، فعليك أن تتعلّم من صبرك على الصوم كيف تصبر على كل مواقع طاعة الله في العبادات وفي المعاملات وفي كل العلاقات وفي كلّ أوضاع الناس من قريب ومن بعيد، ثم تتعلّم الصّبر عن المعصية، عندما تأتيك المعاصي لتخاطب غرائزك ولتخاطب شهواتك ولتخاطب أطماعك ولتخاطب كثيراً من نوازعك الذاتية، وعندما تأتيك المعاصي وتلحُّ عليك وتحرق كيانك بشهواتها وبكلّ ذلك، اصبر عن معصية الله كما كنت تصبر أيها الصائم عن معصية الله وأنت في حال الصوم.

إنّ الصّبر هو الدرس الثاني الذي نتعلّمه من الصوم، ولذلك فإن علينا أن نجعل الصّوم صوماً واعياً ننتقِلُ فيه من موقع إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى.

 

الصوم يحرّك الضّمير الشرعي:

أما الدرس الثالث الذي نتعلّمه من الصّوم، فهو درس الحالة الروحية التي تجعل الإنسان يعيش الضمير الشرعي، الوازع الديني أن يكون لك ضمير شرعي يحاسبك.. فبعض الناس يتحدّثون عن الضّمير بعيداً عن الخطوط التي يتحرّك فيها الضمير، والله يريد منك أن يكون لك ضمير ديني، وأن يكون لك ضمير شرعيّ، بحيث إنك إذا أقبلت على ما حرّم الله فإنّ ضميرك الشرعي يؤنّبك ويحاسبك ليقول لك يا عبد الله إنك أسأت إلى الله في ذلك، وإذا أردت أن تترك واجبا شرعياً فإن ضميرك يحاسبك ويؤنّبك..

فأن يكون عندك ضمير شرعيّ معناه أن تكون لك ذهنيّة شرعيّة تقية منفتحة على الله سبحانه وتعالى لتمنعك ولتحاسبك ولتهمس إليك في كلّ مشاعرك، يا عبد الله إتّق الله، يا عبد الله أطع الله، يا عبد الله لا تعصِ الله، فالذهنية الشرعية تقول لك ذلك في كل موقع من مواقع حياتك، لأنّك في الصّوم تعيش هذا الجوّ، ولنحاول جميعاً أن نزرع هذا الوازع الديني في أنفسنا، وهذا الضمير الشرعي الذي يجعلنا نشعر برقابة الله علينا وبحضور الله في حياتنا <ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا>(المجادلة:7).

هكذا نستفيد من الصوم، تربية الضمير الديني، الضمير الشرعي، الوازع الديني الذي يحمينا من شهواتنا ويحمي الناس منا في ما نريد أن نسي‏ء به إلى الناس.

 

الصوم والوعي:

ثمّ إن الدرس الرابع الذي نتعلّمه من الصوم هو وعي ما نعيشه من جوع وعطش، أن يكون جوعنا جوعاً واعياً وعطشنا عطشاً واعياً، فإذا جعت وأحسست بالجوع، فإن الله يريد لك وللناس أن يحسوا بالجوع ليفكّروا أن هناك جائعين، ليفهموا لسعات الجوع في مشاعر الجائعين، ليعرفوا معنى الجوع، فإذا عرفوا معنى الجوع وأحسّوه وذاقوه، استطاعوا أن ينفتحوا على مشكلة الجوع من موقع الحسّ، لا من موقع الفكرة التي تبتعد عن الحس، وهكذا في قضيّة العطش والظّمأ، وفي مجالات الحياة التي يعيش فيها بعض الناس الحرمان بطريقة وبأخرى.

إنّنا في شهر رمضان المبارك الذي أفاض الله فيه روحيته علينا جميعاً وجعله شهره وجعلنا ضيوفه، وجعلنا من أهل كرامته، في هذا الجوّ الروحي، لماذا لا نجعل روحيّتنا تتفايض على علاقاتنا؟ لماذا لا نعيد النّظر في كلّ ما انطلق فيه المستكبرون والضالون والمضلّلون والفاسقون ليملأوا قلوبنا بالحقد بعضنا على بعض.. والله يقول: <إنّما المؤمنون أخوة> وأنتم تقولون لبعضكم إنّهم أعداء.. فكّروا في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، تعالوا إلى القرآن ودروسه وبيّناته وحياته، فالقرآن ربيع القلوب، وربيع شهر رمضان كتاب الله وما فيه من دعوة مثلى وفضلى لاستقاء الدروس والعبر التي زوّدنا الله تعالى بها، لتكون سبيلاً إلى الصّراط المستقيم، وسبيلاً إلى الرضى والتقوى.. إن في هذه الدروس العظيمة منهج رشاد ووصولاً إلى الحقيقة المطلقة والزاد الذي كلّفنا الله به <وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى>.

 

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2269130

الخميس
23-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع