مقالات: التشريح في التعليم الطبي (1)      •      العلم الإلهامي      •      هل تكفي رؤية الهلال بالمراصد والتلسكوب؟      •      استقلال المرأة في الإسلام      •      أمثلة من نظام الخلق الدالة على وجود الله      •      مسائل وردود: ما حكم من فوّت قضاء شهر رمضان للعام الثاني؟      •      هل تجوز الصلاة بمجرد قول المؤذن (الله أكبر)؟      •      ما حكم تارك الصلاة؟      •      هل يجوز مضغ العلكة أثناء الصوم ؟      •      بماذا كان يتعبد النبي (ص) قبل بعثته؟      •     
»
» في إثبات صانع العالم وبيان صفاته
» الكاتب: الشيخ محمد بن الحسن الطوسي - قراءات [9776] - نشر في: 2012-08-23


... إذا ثبت حدوث الأجسام بما قدمنا، فالذي يدل على أن لها محدثا هو ما ثبت في الشاهد من أن الكتاب لابد لها من كاتب والبناء لابد له من بان والنساجة لابد لها من ناسج وغير ذلك من الصنائع.

وإنما وجب ذلك فيها لحدوثها، فيجب أن تكون الأجسام إذا شاركتها في الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث.

فإن قيل: كيف تدعون العلم بذلك وههنا من يخالف في ذلك ويقول الكتابة لا تعلق لها بالكاتب ولا البناء بالباني ولا غير ذلك من الصنائع، وهو الأشعري وأصحابه، لأن عندهم أن هذه الصنائع لا كسب للعبد فيها وإنما هي من فعل الله وحده.

قلنا: الأشعري لم يدفع حاجة البناء إلى بانٍ ولا الكتابة إلى كاتب، وإنما قال فاعلها هو الله تعالى دون العبد.

ونحن لم ندع العلم بحاجة هذه الافعال إلى فاعل معين بل ادعينا حاجتها إلى صانع ما في الجملة.

ثم هل هو القديم أو الواحد منا؟ موقوف على الدليل، ودليله هو أنه يجب وقوع هذه الافعال بحسب دواعينا وأفعالنا ويجب انتفاؤها بحسب صوارفنا وكراهتنا، فلو كانت متعلقة بغيرنا لما وجب ذلك، كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا لم لما تكن متعلقة بنا، فالوجوب الذي اعتبرناه يبطل تعلقها بغيرنا.

فان قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك [ بالعادة دون أن يكون ] واجبا.

قلنا: ذلك فاسد من وجهين: أحدهما: ان ذلك يبطل الفرق بين الواجب والمعتادة، فيؤدي إلى أنه لا فرق بينهما، وان يقول قائل انتفاء السواد بالبياض بالعادة وحاجة العلم إلى الحياة بالعادة وغير ذلك من الواجبات، فبأي شئ فرقوا بينهما فهو فرقنا بين أن يكون ذلك واجبا أو معتادا.

الثاني: أنه لو كان ذلك بالعادة لوجب أن يكون من لا يعرف العادات ولا نشأ بين أهلها أن يجوز أن تبنى دار من قبل نفسها أو تنكتب كتابة طويلة بلا كاتب أو أن تنسج نساجة عجيبة من غير ناسج وغير ذلك.

والمعلوم خلاف ذلك، لانه لا يجوز مثل ذلك الا مؤف العقل فاسد التصور.

فان قيل: لو خلق الله تعالى عاقلا ابتداء‌ا، فشاهد قصرا مبنيا وكتابة هل كان يعلم أن لها بانيا وكاتبا أم لا، فان قلتم يعلم قلنا وأي طريق له إلى ذلك، وان قلتم لا يعلم بذلك فقد بطل ادعاؤكم العلم.

قلنا: من خلقه الله وحده ابتداء‌ا وشاهد الكتابة أو القصر فهو لا يعلمهما محدثين متجددين [فلذلك لا يعلم لهما بانيا وكاتبا، فيحتاج أن يتأمل حالهما حتى يعلمهما محدثين متجددين]، فاذا علمهما متجددة الوجود علم تعلقهما بفاعل.

ونظير ذلك أن من شاهد الاجسام قبل النظر في حدوثها، فانه لا يعلم أن لها محدثا، فاذا تأمل وعلم حدوثها علم عند ذلك ان لها محدثا.

وانما قلنا ان علة حاجة هذه الحوادث الينا حدوثها لا غير لامرين: أحدهما: أن الذي يتجدد عند دواعينا حدوث هذه الصنائع وينتفى عند صوارفنا حدوثها أيضا، فعلمنا أن علة حاجتها الينا حدوثها.

والثاني: أن هذه الاشياء لها ثلاثة أحوال: حال عدم، وحال حدوث، وحال بقاء.

فهي لا تحتاج الينا في حال عدمها، لكونها معدومة في الازل، وهي تستغني عني في حال بقائها، وانما تتعلق بنا وتحتاج الينا في حال حدوثها، فعلمنا بذلك أن علة حاجتها الينا الحدوث، فعند ذلك نحكم بحاجة الاجسام، اذا ثبت حاجة حدوثها إلى محدث للاشتراك في علة الحاجة.

وهذه الجملة كافية في هذا الباب، فان استيفاء ذلك ذكرناه في شرح الجمل، وفي هذا القدر كفاية انشاء الله تعالى.

وأما ما يجب أن يكون عليه من الصفات: فأول ذلك أنه يجب أن يكون قادرا، لان الفعل لا يصح أن يصدر الا من قادر.

ألا ترى أنا نجد فرقا بين من يصح منه الفعل وبين من يتعذر عليه ذلك، فلابد من أن يكون من صح منه الفعل مختصا بأمر ليس عليه من تعذر عليه ذلك والا تساويا في الصحة أو التعذر [ وقد علمنا خلافه ].

وأهل اللغة من اختص بهذه المفارقة يسمونه قادرا، فأثبتت المفارقة لمقتضى العقل والتسمية لاجل اللغة، فاذا كان صانع العالم صح منه الفعل وجب أن يكون قادرا.

على أنا دللنا على أن أفعالنا محتاجة الينا دال على حاجتها إلى من له صفة المختارين، فاسنادها إلى من ليس له صفة المختارين في البطلان كبطلان اسنادها إلى مؤثر، وكلاهما فاسدان.

على أن صانع العالم لا يخلو من أن يكون قادرا مختارا أو موجبا هو علة أو سبب، ولا يجوز أن يكون علة ولا سببا، لانهما لا يخلو من أن يكونا قديمين أو محدثين، فلو كانا محدثين لاحتاجا إلى علة أخرى أو سبب آخر، وذلك يؤدي إلى مالا نهاية له من العلل والاسباب، وان كانا قديمين وجب أن يكون العالم قديما، لان العلة توجب معلولها في الحال والسبب يوجب المسبب اما في الحال أو الثاني، وكلاهما يوجبان قدم الاجسام وقد دللنا على حدوثها، فبطل بذلك أن يكون صانع العالم موجبا ولم يبق بعد ذلك الا أن يكون مختارا له صفة القادرين.

واذا ثبت كونه قادرا وجب أن يكون حيا موجودا، لان من المعلوم أن القادر لا يكون الا كذلك، فثبت أنه تعالى قادر حي موجود.

وأما الذي يدل على أنه عالم هو أن الاحكام ظاهر في أفعاله كخلق الانسان وغيره من الحيوان، لان فيه من بديع الصنعة ومنافع الاعضاء وتعديل الامزجة وتركيبها على وجه يصح معه أن يكون حيا لا يقدر عليه الا من هو عالم بما يريد فعله، لانه لو لم يكن عالما لما وقع على هذا الوجه من الاحكام والنظام ولاختلف في بعض الاحوال، ولما كان ذلك واقعا على حد واحد ونظام واحد واتساق واحد دل على أن صانعه عالم.

وكذلك خلقه الثمار في أوقات مخصوصة لا تختلف وفي كل شجر ما هو من جنسه وفي كل حيوان من شكله دال على أن خالق ذلك عالم، والا لكان يجوز أن يخلق الفواكه الصيفية في الشتاء والشتوية في الصيف، ويخلق في البهيمة من جنس ابن آدم أو في ابن آدم من جنس البهائم، أو يخلق في النخل نبقا وفي الرمان تفاحا وغير ذلك.

وفي علمنا بالمطابقة في هذا الباب دليل على أن صانعها عالم بما صنعه.

ألا ترى أن في المشاهد لا تقع الكتابة الا ممن هو عالم بها، ولا النساجة الا ممن هو عالم بترتيبها وكيفية ايقاعها، وغيره وان كان أقدر منه يتعذر عليه مثله لفقد علمه، والضعيف القليل القدر يصح منه ذلك لعلمه بكيفية ايقاعه.

واذا كان القدر اليسير من أفعالنا المحكمة لا تقع الا من عالم، فألا تقع الافعال التي أشرنا اليها الزائدة على احكام كل محكم أولى وأحرى، فثبت بذلك أن صانع العالم عالم.

ولا يجوز أن يكون بصفة الظانين ولا المعتقدين، [ لان الصنائع المحكمة تحتاج إلى من له صفة العالمين دون الظانين المعتقدين ]، لانها تحتاج إلى أمر يلزم كمال العقل ولا يخرج عنه من ثبوت عقله، والظن والاعتقاد الذي ليس بعلم لا يوجب لزومه لكمال العقل.

فوجب من ذلك أن يكون صانع العالم عالما دون أن يكون ظانا أو معتقدا.

ويجب أيضا أن يكون مدركا للمدركات سميعا بصيرا، لان الحي الذي لا آفة به متى وجدت المدركات وارتفعت الموانع واللبس وجب أن يكون مدركا لها.

ألا ترى أن من كانت حواسه صحيحة ووجدت المرئيات وارتفعت الموانع واللبس وجب أن يكون رائيا لها، وكذلك اذا وجدت الاصوات وسمعه صحيح وجب أن يدركها ويفصل بين حاله وهو مدرك لها وبين أن لا يدركها.

وهذا الفرق لا يستند إلى كونه حيا، لانه كان حيا قبل ذلك ولم يجد نفسه كذلك ولا إلى كونه عالما لانه يكون عالما بها قبل ادراكها ولا يجد نفسه على هذه الحال.

ألا ترى أن الانسان يعلم الصوت بعد تقضيه ويعلمه أيضا قبل وجوده ولا يجد نفسه على مايجد عليه اذا أدركه، وكذلك المتألم يدرك الالام وان لم يعلمها.

فثبت بذلك أن الادراك غير العلم والحياة.

واذا كان القديم تعالى حيا والآفات والموانع لا تجوز عليه لانه ليس يرى بحاسة ووجدت المدركات وجب أن يكون مدركا لها.

وليس لواحد أن يقول: ان الواحد منا يدرك بمعنى هو ادراك، والمعنى ولا يجوز عليه تعالى، وذلك أن الادراك ليس بمعنى، وانما الواحد منا يدرك لكونه حيا، بدلالة أنه لو كان معنى لجا زأن يكون حيا وحواسه صحيحة والموانع مرتفعة واللبس زائل ولو وجد المدركات فلا يدركها بأن لا يفعل فيه الادراك، وذلك يؤدي إلى السفسطة والشك في المشاهدات وأن لا يثق بشئ من المدركات، وما أدى إلى ذلك يجب أن يكون باطلا.

ويجب أيضا أن يكون سميعا بصيرا، لانه حي لا آفة به.

وفائدة السميع البصير أنه على صفة يجب معها أن يسمع المسموعات ويبصر المبصرات، وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به.

وعلى هذا يوصف تعالى بذلك في الازل ولو كان له بكونه سميعا بصيرا صفة زائدة على ما قلناه لجاز أن يكون الواحد منا حيا لا آفة به ولا يوصف بأنه سميع بصير، والمعلوم خلاف ذلك.

وأما سامع مبصر فمعناه أنه مدرك للمسموعات والمبصرات، وذلك يقتضي وجود المسموعات والمبصرات، ولذلك لا يوصف بهما في الازل.

وأما شام وذائق فليس المراد بهما كونه مدركا، بل المستفاد بالشام أنه قرب الجسم المشموم إلى حاسة شمه، والذائق أنه قرب الجسم المذوق إلى حاسة ذوقه.

ولذلك يقولون شممته فلم أجد له رائحة، وذقته فلم أجد له طعما ولا يقولون أدركته فلم أدركه لانه مناقضة، وجرى مجرى قوله أصغيت اليه فلم أسمعه، فهاتان يكون؟ سبب الادراك على وجه دون أن يكون نفس الادراك.

ويجب أيضا أن يكون تعالى مريدا وكارها، لانه ثبت أنه آمر وناه ومخبر والامر لا يقع الا ممن هو مريد للمأمور به، والنهي لا يقع نهيا الا مع كراهية المنهي عنه، والخبر لا يقع خبرا الا بارادة كونه خبرا.

بدلالة أن هذه الصيغ كلها توجد فيما ليس بأمر ولا نهي ولا خبر.

ألا ترى أن قوله تعالى " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " [سورة الاسراء: 64] وقوله تعالى " اعملوا ما شئتم"[ سورة فصلت: 40] بصورة لامر والمراد به التهديد، وقوله تعالى " فأتوا بسورة من مثله " [سورة البقرة: 23] صورته صورة الامر والمراد به التحدي، وقوله تعالى " واذا حللتم فاصطادوا " [سورة المائدة: 2] المراد به الاباحة.

ونظائر ذلك كثيرة جدا، فلا يمكن مع ذلك أن يكون آمرا لجنسه ولا لصيغته ولا لحدوثه، لان جميع ذلك يوجد فيما ليس بأمر، فلم يبق الا أنه يكون آمرا لارادة المأمور به.

والكلام في النهي والخبر مثل ذلك.

وأيضا فقد ثبت أنه تعالى خلق الخلق ولا بد أن يكون له فيه غرض، لانه ان لم يكن له فيه غرض كان عبثا، وذلك لا يجوز عليه.

ولا يجوز أن يكون خلقهم لنفع نفسه، لان ذلك لا يجوز عليه، لانا سنبين استحالة المنافع عليه.

فلم يبق الا أنه خلق الخلق لمنافعهم، ومعناه أنه أراد نفعهم بذلك، فثبت بذلك أنه مريد.

ويجب أن يكون تعالى قديما موجودا في الازل، لانه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، والكلام في محدثه كالكلام فيه، فكان يؤدي إلى محدثين ومحدثي المحدثين إلى مالا نهاية له، وذلك فاسد.

وأيضا فانه فاعل الاجسام والاعراض المخصوصة من الالوان والطعوم وغيرهما، والمحدث لا يصح منه فعل الجسم ولا هذه الاعراض المخصوصة، فوجب أن يكون من صحت فيه قديما.

وانما كان كذلك لان المحدث لا يكون قادرا الا بقدرة، والقدرة لا يصح بها فعل الاجسام.

وانما قلنا " ان المحدث لا يصح أن يكون قادرا لنفسه " لانه لو جاز أن يكون الجسم قادرا لنفسه لوجب أن تكون الاجسام كلها قادرة لنفسها لانها متماثلة، والمعلوم خلاف ذلك.

وانما قلنا " ان القدرة لا يقع بها فعل جسم " لانا لو اجتهدنا كل الجهد أن نوجد جسما أو جوهرا لتعذر ذلك، ولا وجه لتعذره الا أنه غير مقدور لنا وبذلك نفصل بين ما هو مقدور لنا وبين ماليس بمقدور لنا.

فبان بذلك أن من صح منه الجسم لا يكون الا قديما ولا يكون محدثا. وهو تعالى متكلم.

والطريق الذي يعلم كونه متكلما السمع، لان العقل لا يدل عليه، وانما يدل على أنه قادر على الكلام، لانه جنس من الافعال وهو قادر على جميع الاجناس.

وقد أجمع المتكلمون على أنه تعالى متكلم لا خلاف بينهم، واجماعهم حجة.

ومعلوم أيضا من دين النبي عليه السلام أنه تعالى متكلم، وان هذا القرآن كلام الله تعالى.

فان قيل: السمع مستند إلى قول النبي عليه السلام، والنبي بأي شئ يعلم أنه متكلم؟ فان قلتم بسمع آخر أدى إلى مالا نهاية له من المستمعين، أو ينتهى إلى مسمع علم عقلا أنه متكلم، والا فما الجواب؟ قيل: لا يمتنع أن يعلم النبي كونه متكلما بكلام يسمعه يتضمن بأنه كلام الله، ويقترن بذلك علم معجز، فيقطع على ذلك أنه كلامه وأنه متكلم.

ويمكن أيضا أن يخلق الله تعالى فيه العلم الضروري بأنه ليس بكلام أحد من المخلوقين وقد تقرر في عقله أن المحدث لابد أن يكون له محدث، فيعلم عند ذلك أنه كلامه القديم، لانه لا واسطة بين القديم والمحدث، واذا بطل انه كلام محدث ثبت أنه كلام قديم.

 

المصدر: كتاب الاقتصاد الهادى إلى طريق الرشاد، محمد بن الحسن الطوسي.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2184740

الجمعة
22-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع