مقالات: هل من اقتصادٍ في الإسلام؟      •      جدول أسعار ومقدار زكاة الفطرة لعام 1432هـ / 2011م      •      هل القرآن قابل للفهم      •      المضمون الروحي لفريضة الحج      •      المرأة: من الهامشية إلى الفاعلية      •      مسائل وردود: ما حكم من فوّت قضاء شهر رمضان للعام الثاني؟      •      ما هي كفّارة الجمع؟      •      مقدار مسافة المسافر (صلاة القصر)      •      هل يجوز الزواج من امرأة عمرها 13 سنة؟      •      ما هو حكم سماع الأغاني إذا كانت لم تؤثر علی واجبات العبد تجاه ربه؟      •     
»
» في تبعية الولاية التشريعية للولاية التكوينية
» الكاتب: آية الله الشيخ محمد سند البحراني - قراءات [9885] - نشر في: 2012-08-25


... والمقصود من هذا البحث بيان انّ من له صلاحية التشريع وسن القوانين يجب ان يكون له مقام تكويني خاص. فبعد اتفاق جميع الموحدين أن المشرّع الأول والمحيط بالواقع وحقائق الوجود هو الله عز وجل. يرد التساؤل والبحث ان هل اُعطيت صلاحية مقدار من التشريع للبشر؟ واذا كان بالايجاب فأي بشر هو الذي يمكنه سن القوانين؟

للاجابة عن هذا التساؤل يوجد مسلكان:

احدهما: النقل والاستدلال بالايات القرآنية والروايات الشريفة الدالة على هذه التبعية من نحو قوله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر 59: 7]، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء 4: 65]، ﴿ولكم في رسول الله اسوة حسنة﴾ [الأحزاب 33: 21].

ومن امثلة الروايات ما ورد أن الصلاة الرباعية كانت ثنائية فأوكل التشريع للرسول فجعلها رباعية وغيرها من الروايات.

 

المسلك الثاني: العقل، وهذا هو المقصود بالبحث هنا فيمكن اقامة وجوه ثلاث لاثبات تلك التبعية

 

(الوجه الأول: وهو ما ذكرناه سابقا في التنبيه الثاني من وجه الحاجة إلى الاعتبار حيث بينا)

(أ) الحاجة إلى التشريع والقانون لتنظيم الاجتماع ولمسيرة الإنسان في هذه الحياة.

(ب) ان العقل البشري لمحدوديته لا يستطيع التوصل إلى الواقع ولا يحيط بجهات الحسن والقبح والموازنة بينها.

(ج) يحتاج العقل المحدود إلى من يسن له تلك القوانين، فتتم صياغة الحقائق عن طريق قضايا اعتبارية قانونية.

وحتى لا تكون هذه الصياغات جهلا يجب ان تكون مطابقة للواقع فيجب ان يتصف من يسن تلك التشريعات ان يكون له علم متصل ومرتبط بالذات المقدسة وإلا لأصاب التشريع والتقنين التغيير والتبديل كما نراه في التشريعات الوضعية الحديثة على مرّ الزمان.

(د) ان من رحمة الله بعباده ورأفته بهم ان يوصل العباد إلى كمالاتهم ويُبعدهم عن نقائصهم، فطبقا لذلك ولما ذكره المتكلمون بقاعدة اللطف او ما ذكره الفلاسفة بقاعدة العناية الالهية، يجعل الباري تعالى في بني الإنسان من له ذلك الاتصال الغيبي وتلك المنزلة الرفيعة.

وبذلك يثبت ان من تكون له الولاية التشريعية وصلاحية سن القوانين فان له ولاية تكوينية واتصال غيبي بالذات المقدسة.

 

(الوجه الثاني: ويعتمد على)

(1) ملاحظة الجهاز الادراكي للانسان وتفصيل قواه العقلية وكيفية توصله للنتائج، وقد ذكر الفلاسفة ان هناك جهازين يحكمان اداركات الإنسان احدهما الجهاز القلبي وهو يعني بالعلم الحضوري ومراتبه اربعة قلب، وسر، وخفي وأخفى.

والجهاز العقلي الذي يحكم ادراكاته الحصولية ومراتبه: العقل النظري - والعقل العملي - وقوة الفطنة والروية - والقوة النازلة الادراكية كقوة الوهم والخيال والحس. والقوى العملية النازلة كقوى الغضبية والشهوية. وهذه القوى النازلة تكون منصاعة إلى قوة العقل العملي بحسب الفطرة الإلهية الأصلية وهو يمارس هيمنته وتوجيهه لها.

(2) ذكرنا في التنبيه الأول ما يميز العقل العملي عن النظري، فالادراك لأي قضية يمر عبر افعال ثلاث احدها الفحص والبحث في الفكر، الثاني ادراك النتيجة المتولدة من المقدمات، الثالث الاذعان بتلك النتيجة والتسليم بها وقد اشار صدر المتألهين في رسالته في التصوير والتصديق وتبعه جل المتأخرين ان النتيجة والحكم في القضية لا يعتبر جزءاً للقضية. فالتصور وهو الصورة الحاصلة لدى الذهن تارة تكون مؤدية ومؤثرة في حصول الحكم فتكون تصديقا وتارة لا تكون مؤثرة فتسمى تصورا. وهاتان المقدمتان هي من ادراك العقل النظري فهو يدرك النتيجة المتولدة من المقدمات، لكن هذا غير الاذعان والحكم الذي هو من افعال العقل العملي ويفسر العلامة الطباطبائي الحكم بأنه (نهاية الحكمة ص 252.) قيام النفس بدمج صورة الموضوع مع صورة المحمول في صورة واحدة وقد تقدم منا الإشارة إلى ان المراد من وجوب المعرفة هو الفعل الثالث ومن هنا قلنا بامكانية كونه واجباً شرعياً.

(3) كثير من المفكرين يتوهمون بان العلاقة والارتباط بين المقدمات (الصغرى والكبرى) والنتيجة والعلاقة بين النتيجة والحكم والاذعان، هي علاقة العلية والمعلولية بمعنى استحالة تخلف النتيجة عن مقدماتها واستحالة تخلف الاذعان عن النتيجة. لكن الحق ان الفلاسفة اثبتوا خلاف ذلك. فقد ذكر السبزواري في منظومته في بحث القياس ان الرابطة ليست هي رابطة العلة والمعلول بل المقدمات اعدادية فقط، والمتكلمون ذكروا بأن سنة الله جل وعلى قد جرت على أنه اذا أدركت تلك المقدمات فإنها تكون معدة لافاضة النتيجة على الإنسان. وهذه الافاضة من العقول العالية على العقل البشري النازل.

والذي اوقع البعض في هذا الوهم هو عدم التخلف وغفلوا عن أن هذا لا ينحصر بالعلية، وقد ذكر الحق سبحانه في امثال الفلاح الذي يقوم بعملية الزرع حيث نص سبحانه على ان وظيفته ليست افاضة وجود الشجرة على البذرة بل يقوم الفلاح بالاعداد عن طريق تهيئة التربة ووضع البذرة وريّها اما المفيض لوجود هذا النبات هو الحق سبحانه (ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون) وقد اثبت الفلاسفة ان الجسم لا يمكن ان يُفيض صورة جسمية أخرى. وهكذا الارتباط بين النتيجه والحكم والاذعان فالوظيفة التي يقوم بها العقل العملي هو الاذعان بالنتيجة فهذا هو الحالة الطبيعية وهي بذلك تكون معدة لحصول ذلك الاذعان وليست علة.

(4) ان ما ذكرناه سابقا في تسلسل عملية الادراك في الجهاز الوجودي للانسان هي الحالة الطبيعية والتي بمقتضاها ينصاع الاسفل إلى الاعلى، وتمارس القوى العليا هيمنتها على القوى النازلة، وتنساب عملية الفكر والادراك في هذه المراحل المتسلسلة.

لكن هذا التسلسل لعملية الادراك يواجه عوائق وموانع تمنع عن حصول الادراك الصحيح وتمنع من خروج التصرف الصحيح طبقا للادراك الصحيح، وتؤدي هذه العوائق إلى قلب عملية التفكير حيث تسيطر القوى النازلة على القوى العالية وتتحكم بادراكاتها بمعنى ان ما ندركه هو ما يحقق كمالات تلك القوى، فيندفع الإنسان حينئذ إلى تحقيق شهواته واشباع رغباته الفتاكة.

 

ومن هذه الأمراض: [لاحظ الاسفار للملا صدرا ج 8]

مرض الجُربزة وهي مقابل للبلادة وهي البطء الشديد في ادراك النتائج بعد ادراك ـ المقدمات العناد ـ وهي عدم انسياق العقل العملي لمدركات العقل النظري مع العلم بصحتها - الوسوسة ـ الاضطراب.

فهذه الامراض التي تمنع من حصول اذعان النفس بمدركات العقل النظري.

وهذه الامراض هي التي تصيب قوى الإنسان في ادراكاته الحصولية، وهناك امراض تصيب درجات اداركه الحضورية، حيث تمنعه من الترقي الوجودي وتمنعه من الوصول بل ومن الاتصال بالصقع الربوبي، فيبتعد اكثر عن ساحة الحق ويصير بينه وبين الحقائق حاجبا وساترا لا يزول إلا بالتقوى والعمل الصالح ولقد قال عز من قائل ﴿اتقوا الله يعلمكم الله [البقرة 282].

ومن هذه المقدمات الاربعة تنتقل إلى ما نريد التوصل اليه وهو إنه مع وجود هذه المراحل في ادراك الإنسان، ووجود مثل تلك الموانع والعوائق التي تؤثر في صدور القرار الصحيح والفعل النافع، كيف يمكن تقليده صلاحية التقنين والتشريع، فيجب ان يمتلك زمام التشريع والتقنين من يكون جهازه الادراكي في مأمن من تلك العوائق والموانع ويكون محلا لافاضة العلوم عليها من العوالم العلوية وتنزلها في مأمن من تشويش ومشاغبة قوى النفس الدنيا.

هذا أذ أرادنا تشريعا يكون مظهرا للحقائق الواقعية ومطابقا وصحيحا.

وهذا الإنسان الذي يمتلك تلك القابلية هو الذي يكون مظهرا للرضا الالهي وللغضب الالهي وللعزائم الالهية وذلك لا يكون الا بأن تتساوى كل حركاته وسكناته بلحاظ التأثر بالعوالم العلوية.

ومن لا يمتلك تلك المكانة والقابلية فلن يكون تشريعه سالما وصحيحا ومن هنا قلنا بأن الولاية التشريعية تابعة للمقام التكويني الخاص.

والمقام الأكمل الذي يصل اليه المشرع والمسن للقوانين هو مقام العصمة، وهي كما لا يخفى على درجات فبعضهم أصحاب شرائع، وبعضهم اولوا عزم، وبعضهم شرائعهم دائمة وأبدية وهكذا تختلف درجاتهم العصموية بالاختلاف درجات قربهم من الصقع الربوبي. وتتنزل درجات العصمة حتى تصل إلى العصمة في الإنسان العادي وتتمثل في حدود البديهيات الموجودة في العقل البشري حيث ان عدم وجودها يؤدي إلى نوع من الاضطراب والخلل حيث لا يوجد حينئذ ما يتكأ عليها الفكر البشري.

 

(الوجه الثالث: السنن التكويني والسنن التشريعي)

ذكرنا فيما سبق ان الإنسان يركز ويستند في علومه إلى نوع محدود من العصمة وذلك من خلال البديهيات الموجودة في العقل البشري والتي ينتهي اليها في كل قضية، وبدونها يحل الاضطراب في الفكر البشري، كما اشرنا فيما سبق إلى ان مدركات العقل العملي والنظري هي الكليات الفوقانية، ولمحدودية العقل البشري احتاج إلى التقنين والاعتبار لضبط الجزئيات الخارجية وان التفكير البشري في تنزل العلوم الكلية إلى الجزئيات يمر بمراحل متعددة وبجملة من البراهين التي يستعين بها لاحراز التفكير الصحيح. وهما البرهان النظري ورأس ماله العلوم البديهية او البرهان العياني الذي يتصل بالجزئيات، ويضمن اختيار الفعل الاصلح عن طريق قوة الفطنة والتروي التي تستلم من العقل العملي والبرهان النظري النتائج الصادقة الحقيقية. وتستخدم قوة الفطنة القوى الادراكية الجزئية والقوى العمالة السفلية حيث الغضب الرافع للموانع والشهوة المولدة للشوق وبهذا الشكل يصدر الفعل الجزئي صحيحاً غير خاطئ.

 

 

المصدر: كتاب الإمامة الإلهية، محمد سند.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2262126

الأحد
19-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع