مقالات: هل تكفي رؤية الهلال بالمراصد والتلسكوب؟      •      العصر السياسي في حياة العسكري (ع)      •      نافذة إلى معرفة الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)      •      المصائب وسيلة لتفجير القابليات      •      الإيمان بالله في ضوء المذهب التجريبي      •      مسائل وردود: السجود على التربة من الجهة المنقوشة      •      كيف أتوب عن الزنا؟      •      الجبر والتفويض في حباة الإنسان      •      تقدم شاب لخطبة فتاة هل يصح أن تقول له ماضيها      •      هل تشجيعي لنادي برشلونة يعد كفرًا؟      •     
»
» الخوارج: سياسيًا وتاريخيًا
» الكاتب: السيد جعفر مرتضى العاملي - قراءات [9924] - نشر في: 2014-07-22


بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله، و الصلاة و السلام على محمد و آله الأطهار.

ظهور الخوارج:

الخوارج: فرقة ظهرت في النصف الأول من القرن الأول الهجري، و بالذات في مناسبة حرب صفين التي دارت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الخليفة الشرعي من جهة، و بين معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يحاول الاستئثار بهذا الأمر لنفسه من جهة أخرى، حيث رأى معاوية: أن علياً سيربح الحرب لو استمرت، فأمر ـ بمشورة من عمرو بن العاص ـ برفع المصاحف، الأمر الذي إنجر إلى التحكيم. و كان أولئك المعترضون على قبول علي للتحكيم هم أنفسهم الذين كانوا قد أجبروه عليه من قبل، كما اعترفوا به هم أنفسهم، كما صرحت به النصوص التاريخية الكثيرة جداً، و هذا ما يكذب ما يدعيه البعض من أن الخوارج كانوا هم المعارضين للتحكيم من أول الأمر.

نعم.. إن هؤلاء قد حكموا على علي عليه السلام بالكفر لأجل قبوله التحكيم الذي أجبروه هم عليه، كما كفَّروا الخليفة الثالث عثمان بسبب بعض المخالفات التي صدرت عنه في السنين الأخيرة من خلافته، هذا فضلاً عن تكفيرهم طلحة و الزبير و عائشة و غيرهم.

ثم إنهم خرجوا على علي عليه السلام و حاربوه، و كان من جملة ما احتجوا به لحربهم إياه: أن قالوا: " زعم أنه وصي فضيّع الوصيّة " كما ذكره اليعقوبي، نعم و هؤلاء بالذات و أتباعهم هم الذين سُموا بالخوارج، و هم محط بحثنا الآن.

موقف علي عليه السلام من الخوارج:

و قد عالج أمير المؤمنين عليه السلام قضية الخوارج بحكمة و مرونة، ثم بحزم و بحسم أيضاً، حيث حاول أولاً أن يقنعهم بخطئهم في تصوراتهم و مواقفهم، فناقشهم و وعظهم هو و أصحابه: ابن عباس و غيره، و أقاموا عليهم الحجة، حتى رجع منهم الألوف.

و يلاحظ هنا: أنه عليه السلام ينهى ابن عباس عن أن يخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه، و لكن يخاصمهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً.

كما أنه هو نفسه قد التزم بذلك إلى حدٍ كبير، حيث نجده يهتم بأن يحتج عليهم بأقوال النبي ( صلى الله عليه و آله ) و أعماله بالدرجة الأولى، فاحتج عليهم بأنه ( صلى الله عليه و آله ) قد رجم الزاني ثم صلى عليه و ورثه أهله، و قتل القاتل كذلك، و قطع السارق و جلد الزاني غير المحصن، ثم قسم عليهما من الفيء، و نكحا المسلمات، فأخذهم ( صلى الله عليه و آله ) بذنوبهم، و لم يمنعهم سهمهم من الإسلام، و لا أخرج أسماءهم من بين أهله.

و احتج عليهم أيضاً بمنِّ النبي ( صلى الله عليه و آله ) على أهل مكة فلم يسب نساءهم و لا ذريتهم، و بمحوه ( صلى الله عليه و آله ) كلمة: ( رسول الله ) من صحيفة الحديبية، و بإعطائه النصفة لأهل نجران، حيث قال: " ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " و بتحكيمه سعد بن معاذ في بني قريظة الذين نقضوا العهد.

و لكن.. رغم كل تلك المحاولات و المواعظ و الاحتجاجات، و رغم رجوع الألوف منهم عن غيهم، فقد بقيت بقيّة حوالي أربعة آلاف أبو إلا البقاء على ما هم عليه، و محاربته، و قتلوا الأبرياء، حتى النساء، و أخافوا السبيل، و أفسدوا في الأرض، فاضطر عليه السلام لمحاربتهم لدفع شرهم، و إخماد نار فتنتهم، فحاربهم، و قتلهم، و لم يفلت منهم إلا أقل من عشرة، كما لم يستشهد من أصحابه إلا أقل من عشرة، كما أخبر به عليه السلام قبل ذلك.

و يقول المؤرخون: إن الذين أفلتوا من القتل قد أصبحوا بذرات أخرى للخوارج في مناطق عديدة فيما بعد.

و أما أولئك الذين استأمنوا، فقد صاروا يخرجون على عليّ عليه السلام و على غيره بعد ذلك، فخرج منهم ألفان على الإمام في النخيلة فقضى عليهم. ثم صار الخوارج يخرجون عليه في شراذم قليلة في بضعة مئات أو أقل أو أكثر في الأنبار، و ماسبذان، و جرجرايا، و المدائن، و سواد الكوفة، فكان يقضي على حركاتهم تلك الواحدة تلو الأخرى بيسر و سهولة.

أنا فقأت عين الفتنة:

و يقول عليه السلام عن حربه للخوارج و لغيرهم:

" أنا فقأت عين الفتنة، ولم تكن ليجرؤ عليها أحد غيري بعد أن ماج غيهبها و اشتد كلبها ".

و في رواية أخرى لهذا النص بدل ذيل الكلام: " و لو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون، و لا القاسطون، و لا المارقون ".

و في نص آخر: " ما قوتل أصحاب الجمل و النهروان ".

و يبدو أن سر ذلك هو أنه قد كان على رأس الناكثين: طلحة و الزبير، و هما من أهل السابقة في الإسلام، ثم أم المؤمنين عائشة زوجة الرسول، و بنت الخليفة الأول أبي بكر، المرأة الذكية و الشجاعة، و التي كانت تحظى بعناية و رعاية خاصة من قبل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي يتميز بعظمة خاصة في نفوس الناس، و شاع و ذاع عنه ما لا يمكن تجاهله أو إنكاره.

و كان معاوية يتزعم القاسطين، و عمر هو الذي جعله على بلاد الشام، و كان يعامله معاملة متميزة، و بقي على عمله إلى أن توفي عمر، ثم طيلة خلافة عثمان، و تربى أهل تلك البلاد على أفكاره و اتجاهاته، و أصبحت بلاد الشام سفيانية كما أشار إليه الأصمعي و غيره. ثم هناك الشبهات التي كان يلقيها معاوية في الناس بالنسبة لمقتل عثمان.

أما المارقون.. فكانوا معروفين بالعبادة و الزهد، فالإقدام على حربهم و قتلهم لم يكن أمراً سهلاً و ميسوراً لكل أحد.

أما علي عليه السلام.. فقد كانت مكانته بين المسلمين معروفة لدى كل أحد، و كانت الأمة لا تزال تسمع من وعي النبي ( صلى الله عليه و آله ) الكثير الكثير مما يدل على فضله، و أنه مع الحق و الحق معه، و انه منه بمنزلة هارون من موسى. حتى ليصبح قتاله للخوارج و لغيرهم حتى عائشة دليلاً صريحاً على تعديهم و ظلمهم، أو خطئهم في موقفهم على الأقل.

نعم.. و قد رأينا الكثيرين من الخوارج عليه ـ عليه السلام ـ يشكون في صحة و سلامة موقفهم منه، حتى إذا جاء العهد الأموي بدءً من معاوية، قالوا: قد جاء الآن ما لا شك فيه. ثم أخذوا على عاتقهم مهمة قتال الأمويين بكل ضراوة و عنف، كما هو معلوم.

لا تقتلوا الخوارج بعدي:

و بعد.. فإنا نجد علياً الذي يحارب الخوارج و يستأصل شأفتهم يوصي الناس و شيعته بأن لا يقاتلوا الخوارج بعده، و يعلل ذلك بأنه ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.

و أيضاً.. فقد ذكرت الحرورية عنده، فقال: إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم، فإن لهم في ذلك مقالاً.

و لعل سر ذلك هو:

أولاً: إن الخوارج في المستقبل سيقاتلون الأمويين الذين كانوا أشد خطراً على الإسلام و الأمة، لأن دعوتهم و طريقتهم تستهوي النفوس الضعيفة، لأنهم يدعون إلى الدنيا و إلى زبارجها و بهارجها، و هذا ما ينساق إليه الناس بغرائزهم و يلائم هوى نفوسهم. كما أنهم قد تلاعبوا في عقائد المسلمين و غيروها و أدخلوا عليهم فيها الشُبَه و الإسرائيليات و غير ذلك مما لا مجال لذكره هنا. في حين أنه كان لهم القدح المعلى و القدم الثابت في الانحراف، مع خبث نفوسهم، و شدة ظلمهم و فجورهم.

يقول علي عليه السلام بعد كلامه السابق عن الخوارج: " ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية فإنها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، و أصاب البلاء من أبصر فيها، و اخطأ البلاء من عمي عنها. و أيم الله، لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء، كالنار الضروس تعذم بفيها، و تخبط بيدها، و تزبن برجلها، و تمنع درها. ـ إلى أن قال ـ: لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعاً لهم، أو غير ضائر بهم. ـ إلى أن قال ـ: ترد فتنتهم شوهاء مخشية، و قطعاً جاهلية، ليس فيها منار هدى، و لا علم يرى ".

أما دعوة الخوارج فلم يكن لها ذلك الخطر، و ذلك لما يلي:

ألف: لقد كان الخوارج ـ عموماً ـ أعراباً جفاة، لا ثقافة و لا معرفة لديهم، يشكلون بها خطراً على الدين بشبهاتهم و انحرافاتهم.

ب: إن دعوتهم لم تكن تنسجم مع الفطرة و لا تتقبلها العقول. و إذا ما استهوت بعض شعاراتهم بعض البسطاء و السذج لبعض الوقت فإنها لا تلبث أن تنحسر و تتلاشى بمجرد دعوتهم إلى الفطرة، و العقل السليم، و الفكر المستقيم.

يضاف إلى ذلك: حِدِّيتهم المتناهية في التعامل مع سائر المسلمين حيث لم يكن قلوبهم تعرف الرحمة و الشفقة حتى للأطفال و النساء.

فالأزارقة و قد كانوا أعظم فرقهم و أشدها شوكة، و قد استولوا على الأهواز و أرض فارس و كرمان و جبوا خراجها سنوات عديدة. إن هؤلاء يقولون بكفر جميع من عداهم، و لا يحق لأصحابهم المؤمنين منهم أن يجيبوا أحداً من غيرهم إلى الصلاة إذا دعا إليها، و لا أن يأكلوا ذبائحهم، أو يتزوجوا منهم، أو يرثوا منهم، أو يورثوهم، و يكون غيرهم مثل كفار العرب، و عبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإسلام و السيف، و دارهم دار حرب، و يحل قتل أطفالهم و نسائهم، و يحل لهم الغدر بمن خالفهم، و لا تجوز التقية، إلى غير ذلك مما لا مجال لذكره هنا.

ج: إن الخوارج إنما حاربوا علياً عليه السلام لشبهة تمكنت من نفوسهم، و زين لهم الشيطان أنهم ظاهرون و منتصرون، فهم قد طلبوا الحق فوقعوا في الباطل. و إذا كان قد خالط ذلك الشيء من حب الدنيا و المصالح الشخصية و المفاهيم الجاهلية، و العصبيات القبلية، فإنما كان ذلك ملبساً بلباس ديني، و شبهة كانت طاغية على فهمهم و إدراكهم و مبررة على هذا الأساس، فكانوا ـ كما عن علي عليه السلام ـ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ 1.

ثانياً: إن ظاهر الخوارج هو أنهم من العباد و الزهاد، فمن يتصدى لحربهم ـ سوى علي عليه السلام ـ لم يكن يستطيع أن يدافع عن نفسه كثيراً و لاسيما إذا كان الإعلام ـ حتى الأموي ـ ضده، و يعمل على تشويهه، و تحطيم كل مقومات حياته و وجوده.

كما أن العراق الميال لعلي و أهل بيته عليهم السلام سينشغل بقضية لن تكون نتائجها إلا زعزعة ثباته، و تمزق أوصاله، و يقلل من فرص إجتياح المد الشيعي على شكل التعاطف مع أهل البيت لمناطق أخرى تقع في نطاق اهتمامات الحكم الأموي.

كما أن تولي هؤلاء لحرب الخوارج معناه أن يتحملوا هم آثار الحرب و مخلفاتها غير المرغوب فيها، و لاسيما ما ينشأ عن سفك الدماء عادة من الأحقاد، ثم زعزعت الثوابت على الصعيد القبلي و العاطفي.

ثالثاً: لقد كان الشيعة قلة و مضطهدين من قبل الحكم الأموي، فتكليفهم بقتال الخوارج معناه المزيد من إضعافهم هم و الخوارج مع بقاء الحكم الأموي محتفظاً بكامل قواه، يتحكم بمقدرات الأمة، و يسومها الخسف و الذل.

و قد حاول الأمويون ابتداء من معاوية الزج بأهل البيت و شيعتهم في حرب الخوارج فأرسل معاوية إلى الإمام الحسن عليه السلام و هو في طريقه من الكوفة إلى المدينة يدعوه لحربهم، فرفض عليه السلام طلبه و كتب إليه: " لو آثرت أن أقاتل أهل القبلة لبدأت بقتالك "، و في مناسبة أخرى على ما يظهر يذكره عليه السلام بأن ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه فأسكت معاوية.

إلا أن الظاهر هو أن الأمويين قد استطاعوا أن يجيبوا الشيعة على حربهم، و قد نكل الحجاج بأهل العراق، و قتل من قتل و فعل بهم الأفاعيل في مجال إرغامهم على ذلك.

علي عليه السلام و جرحى الخوارج:

و يقول البلاذري عن حرب النهروان:

" و وجد علي عليه السلام ممن به رمق أربع مائة فدفعهم إلى عشائرهم و لم يجهز عليهم و رد الرقيق على أهله حينما قدم الكوفة، و قسم الكراع و السلاح و ما قوتل به بين أصحابه "، و هذا معناه أنه حينما أخبر عليه السلام أنه لا يفلت منهم عشرة كان يقصد أنه لا يفلت منهم و لو من الجراحة نعم.. و كذلك فعل عليه السلام مع جرحاهم الأربعين في سواد الكوفة و ذلك يعبر عن انه عليه السلام إنما كان يتعامل معهم من منطلق إنساني إسلامي بعيداً عن أي تأثر و انفعال و لم يكن كأولئك الذين لا ينطلقون في مواقفهم إلا من مصالحهم الشخصية و على أساس من انفعالاتهم و عصبياتهم.

عوامل ساعدت على ظهور الخوارج:

و بعد.. فلم يكن ظهور الخوارج في مناسبة حرب صفين أمراً عفوياً وليد ساعته، و إنما كان ثمة أجواء و مناخات، و عوامل و أسباب ساعدت على ظهورهم، و نذكر منها:

العامل الثقافي الناقص أو المنحرف، حيث كانوا في الأكثر أعراباً جفاة، لم يستضيئوا بنور العلم، و لا اهتدوا بهدى العقل.

إن أكثرهم كانوا من تميم، و هي من ربيعة، و كانت القبائل الربيعية ـ حسبما يراه البعض ـ تحسد قريشاً على استيلائها على الخلافة، و بينها و بين مضر إحن جاهلية، خفف الإسلام من حدتها، و لم يذهب بكل قوتها. و لعل لأجل ذلك نجد أبا حمزة الخارجي حينما غزا المدينة كان يقتل القرشي و يدع الأنصاري، كما أن الأصمعي يصف الجزيرة بأنها خارجية، لأنها مسكن ربيعة، و هي رأس كل فتنة.

لقد شاع عن الخوارج: أنهم من الزهاد و العباد حتى اعتقد كثير من الباحثين: أن ثورتهم كانت خالصة لله تعالى، و لم يكن للدنيا في تفكيرهم أي نصيب. و لكن الذين يبدو هو أن الدنيا كانت تستأثر بجانب كبير من تفكيرهم، و اهتماماتهم، و قد كان لمفاهيمهم الجاهلية، و عصبياتهم القبلية و مصالحهم الشخصية، و أملهم بالفوز و النصر أثر كبير في إصرارهم على موقفهم ذاك من علي عليه السلام، و الذي كان مبنياً على حالة من الشك و التردد كما صرحوا به أنفسهم، و كما صرح به الإمام الصادق عليه السلام. أما موقفهم من الأمويين و غيرهم من حكام الجور فقد كان لهم فيه مقالاً ـ كما عن علي عليه السلام ـ و لم يكن لديهم أدنى شك في صحته و سلامته. و لكن ذلك لا يعني أنهم في حربهم لهم لا يطلبون الحكم و السلطان، أو الحصول على شيء من حطام الدنيا أيضاً، فإن ذلك كان مد نظرهم، و مطمح نفوسهم، و كشاهد على كل ما تقدم نذكر:

ألف ـ إن علياً عليه السلام يقول عنهم: " غرهم الشيطان، و أنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني، و زينت لهم المعاصي، و نبأتهم بأنهم ظاهرون ".

و يدل على صحة ذلك: ما كانوا يرتكبونه من جرائم و موبقات في حق الأبرياء حتى النساء و الأطفال، و حتى قبل معركة النهروان أي قبل أن يضعوا لأنفسهم منهجاً عقائدياً يبيح لهم تلك العظائم و الجرائم.

ب ـ إن من جملة ما نقموه على علي عليه السلام: أنه لم يقسم بينهم السبي في حرب الجمل، كما قسم بينهم الغنائم.

ج ـ إن شيخاً منهم بعد أن رجع عن مقاتلتهم أخبر عنهم: أنهم كانوا إذا هووا أمراً صيروا حديثاً.

د ـ إن شبيب بن يزيد الشيباني قد طلب من عبد الملك أن يفرض له في أهل الشرف، فرفض، فغضب و جمع الرجال، و خرج عليه يحاربه.

و قد أخذ أتباعه عليه، أنه كان لا يطبق التعاليم الخارجية على قومه. أما نجدة الخارجي، فلم يعاقب رجلاً كان يشرب الخمر في معسكره، بحجة أنه شديد النكاية على العدو. و بعض زعمائهم و هو عبيدة بن هلال يتهم بامرأة حداد، فيحتال خليفتهم ( قطري بن الفجأة ) لتبرئته.

هـ ـ و في بعض حروبهم: ( جعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها، و السوط، و العلف، و الحشيش، أشدّ قتال ).

و ـ و زياد بن أبيه يولي أحدهم سابور و يرزقه أربعة آلاف درهم كل شهر، فيلزم الطاعة، و لا يفارق الجماعة، على حدّ تعبيرهم، كما أن زياداً حينما يعطيهم ما يركبون يقبلون بالتردد عليه، و السمر عنده.

ز ـ بل إننا نجدهم مستعدّين لان يقتل بعضهم بعضاً في قِبال إطلاق سراحهم من سجن ابن زياد.

إلى غير ذلك من الشواهد التي لا مجال لتتبعها.

4 ـ إن العراق الذي كان على اتصال مباشر بغير العرب قبل فتحه في عهد عمر بن الخطاب، الذي كان له سياسة خاصة في تمييز العرب على غيرهم، كان ينظر إلى الخليفة الثاني نظرة خاصة متميزة، حتى إن علياً لم يستطع أن يمنع جنده من صلاة التراويح حيث تنادوا: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر، كما لم يستطع أن يعزل شريحاً عن القضاء، لأنه منصوب من قبل عمر، و قد بايعوه على أن لا يغير شيئاً مما قرره أبو بكر و عمر، على حد تعبيرهم. و أصحاب الجمل أيضاً قد نادوا بأمير المؤمنين: أعطنا سنة العمرين، و قال الخوارج لقيس بن سعد: " لسنا متابعيكم أبداً أو تأتونا بمثل عمر " إلى غير ذلك مما يدل على عظمة الخليفة الثاني في نفوس الناس و الخوارج بالذات.

و ما اشتهر من أن الكوفة كانت علوية، فإنما كان ذلك بعد استيطان علي عليه السلام لها، و بذله الكثير من الجهود في سبيل توعية أهلها على الكثير من الحقائق التي كان لا بُدَّ لهم من التعرف عليها. و من ذلك مناشدته للناس بحديث الغدير في رحبة الكوفة، و في صفين، و إخباراته الغيبية الكثيرة لهم، و منه إخباره بمصير أهل النهروان، و بحديث المخدّج، و غير ذلك.

و مع ذلك فلم يكن في الكوفة خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته، و حق معرفة إمامته كما عن الإمام الصادق، و إنما يحاربون معه وفاء بالبيعة التي كانت له في أعناقهم، بالإضافة إلى ما سمعوه من وعن النبي صلى الله عليه و آله في فضله الأمر الذي جعل له مكانة و احتراماً خاصاً لديهم.

5 ـ إن العراق قد فتح في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ليواجه الحياة العسكرية، و يتحمل آثارها النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية. و إذا كان يرافق ذلك عدم توفر العمق الإيماني إلا في حدود العواطف و الأحاسيس و عدم توفر العناية الكاملة بالتربية الإسلامية، و التأهيل لاستيعاب التعاليم الإلهية، ثم التفاعل معها بالشكل المناسب و المقبول، و المفاهيم الجاهلية، و الأهواء، والطابع المميز للحياة آنئذٍ، و لاسيما على مستوى الزعامات القبلية، مع فارق وحيد، و هو أن ذلك أصبح يتلون و يتلبس باسم الدين، و يستفاد منه في التمرير و التبرير، و الدين من ذلك كله برئ.

6 ـ إن الذين حاربوا علياً في وقعة الجمل، و الذين يتعاطفون مع عثمان في محنته التي تعرض لها، قد أصبحوا الآن في جيش علي عليه السلام فقد كان حي الناعطين في الكوفة عثمانياً، كما أن الناس كانوا بعد حرب صفين، فيهم المعجب بنتائجها، و فيهم الكاره، و الغاش و الناصح كما يقولون. و إذن.. فليس لنا أن نتوقع من هؤلاء بملاحظة حالتهم الثقافية الدينية، و علاقاتهم القبلية، و غير ذلك، أن يكونوا مخلصين له كل الإخلاص. و لاسيما و أنهم هم الذين يتحملون أعباء الحرب و آثارها لا يرون أنهم يحصلون في مقابل ذلك على نفع يذكر حسب مقاييسهم و مفاهيمهم عن الربح و الخسران في حالات كهذه.

و إذا كان علي عليه السلام لا يقيم وزناً للزعامات القبلية و يقيم علاقاته معها على أساس ما تملكه من معان إنسانية نبيلة، و ما تقدمه من خدمات في سبيل الدين و الإنسان، و لم يكن ليميّز أحداً على أحد مهما كانت الظروف و الأحوال. و إذا كان أهل الشام يعتبرون قضية معاوية قضيتهم، و مصيره مصيرهم، و هو يبذل الأموال فيهم، و يشتري الرجال ـ إذا كان كل ذلك ـ فإن الفرصة تكون مواتية لمعاوية ليصطاد الزعامات القبلية في عراق علي بالذات، و يتحفهم بالأموال و الأماني سراً و جهراً، و يكيد بهم علياً و الإسلام. و لم يكن ثمة مناعات أو حصانات كافية للوقوف في وجه أمر كهذا، حسبما تقدم.

تركيبة الخوارج:

أما تركيبة الخوارج، فلم تكن لتشجع على التفاؤل ـ فبالإضافة إلى أنهم أعراف جفاة يهيمن عليهم الجهل و القسوة ـ قد كانوا أخلاطاً من العرب و الموالي، و العرب منهم يحتقرون الموالى. كما أن معظمهم كان من السفلة فلم يكونوا من أهل البيوتات المعروفة بالشرف و السؤدد، و لا كان ثمة تقارب في المآرب و الأغراض التي كان كل منهم يطمح إلى تحقيقيها، و لذا.. فقد كان من الطبيعي أن تكثر بينهم التحزبات و الإنقسامات، و ليترك ذلك آثاراً بارزة على قدراتهم، و فعالية مواقفهم و حركاتهم.

الخوارج.. و الأمويون:

و أما بعد عهد علي عليه السلام فلقد حارب الخوارج الأمويين بضراوة و عنف، حتى أنهكوا الحكم الأموي، و مهدوا السبيل لإسقاطه، و كان إنشغال مروان الجعدي بحربهم مانعاً له عن أن يمد يد العون لعامله نصر بن سيار الذي كان يواجه الضربات الساحقة من أبي مسلم الخراساني القائم بأمر الدعوة العباسية، بل إن المهلب بن أبي صفرة الذي قاتل الخوارج في عهد الزبيريين و الأمويين معاً قد حاول الاستفادة من شخصية و شعارات طالما جهد الزبيريون و الأمويون في طمسها و القضاء عليها، فيخطب أصحابه محرضاً لهم على قتالهم، فيكون مما يقول: " قاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه "، ثم جعل شعار أصحابه ـ لو تعرضوا للبيات من قبل الخوارج ـ: ( حم، لا ينصرون ) و هو شعار النبي ( صلى الله عليه و آله )، و يروى أنه كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب عليه السلام، كما يروي المعتزلي.

و يبدو أن سياسة الأمويين الظالمة تجاه الناس، قد ساهمت في إقبال الناس على الإنخراط في سلك الخوارج لمحاربتهم حتى ليبلغ عدد جيش الضحاك الخارجي مئة و عشرين ألفاً كما يقولون.

الخوارج في العهد العباسي:

كما أن الخوارج قد حاربوا العباسيين في مناسبات كثيرة، و لكن بفعالية أقل مما كانت عليه في السابق، فإن جذوتهم بدأت تخبوا، و خطرهم بدأ ينحسر، و لذا فلا نرى لتفصيل الكلام في حركاتهم كبير فائدة.

نعم.. لا بُدَّ من الإشارة إلى أن نحلة الخوارج قد ظهرت في أواخر العهد الأموي بين البربر في الشمال الإفريقي و قوى أمرهم، و حاربوا حكام تلك البلاد، حتى سيطروا على القيروان حتى أخرجها منهم يزيد بن حاتم بن قبيصة، الذي أرسله المنصور العباسي.

كما أن بعض أسر الخوارج قد حكمت تاهرت لأكثر من 130 عاماً حتى أزالهم عنها الفاطميون. و لعل سر انتشار هذه النحلة بين البربر هو سذاجة هؤلاء و سطحيتهم آنئذٍ، ثم انجذابهم إلى الشعارات البراقة التي كان الخوارج يرفعونها باسم الدين، بالإضافة إلى الظروف الخاصة التي كان يعاني منها البربر.

و لكن هؤلاء البربر أنفسهم قد عادوا إلى التشيع بمجرد ظهور الفاطميين، و كانوا دعامة ملكهم. و إن كان لا يزال البعض منهم يعتنق نحلة الخوارج و يعيشون في بعض المناطق في الشمال الإفريقي حتى الآن.

مفارقات هامة في سياسات الخوارج:

و نجد أن المواقف السياسية للخوارج بعض المفارقات مثل:

ألف ـ ما يذكره البعض: من أنهم قد بايعوا زيد بن علي، حينما ثار على الحكم الأموي، كما أن بعض شعرائهم و هو حبيب بن جدرة الهلالي قد رثاه حينما استشهد. مع أن زيداً هذا هو حفيد علي عليه السلام الذي قتلهم و أباد خضراءهم، و كانت دعوته شيعية علوية خالصة.

ب ـ إن شيبان بن سلمة الخارجي، زعيم الفرقة الشيبانية قد أعان أبا مسلم الخراساني القائم بأمر الدعوة العباسية و ابن الكرماني على العامل الأموي نصر بن سيار.

ج ـ إنهم قد أعانوا ابن الزبير أيضاً، حيث قد وجدوا: أن من واجبهم أن يمنعوا حرم الله من الغزو الأموي، فذهبوا إلى ابن الزبير، فأظهر لهم أنه على رأيهم، فقاتلوا معه أهل الشام، ثم امتحنوه فظهر لهم أنه مخالف لهم فتركوه و كان ذلك سنة 64ﻫ.

د ـ قال ابن خلدون: " و ولى مروان على العراق النضر بن سعيد الحريشي، و عزل به عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فامتنع عبد الله بالحيرة، و سار إليه النضر و تحاربا أشهراً، و كانت الصفرية مع النضر عصبة لمروان، لطلبه بدم الوليد، و أمه قيسية ".

و من المعلوم: أن الصفرية هم إحدى فرق الخوارج الكبرى و لا سيما في أواخر العهد الأموي.

انحسار دعوة الخوارج و أسبابه:

قد تقدم ما يوضح بعض أسباب انحسار دعوة الخوارج عن مناطق الحركة العلمية، و النشاط الثقافي، و النفوذ و القوة و الازدهار ليعيشوا في مناطق نائية حياة فيها الكثير من مظاهر الجهل و القسوة و البداوة، و حرمهم إلى حد كبير من المساهمة في المد الثقافي و العلمي الذي كان يزداد قوة يوماً عن يوم، ثم من التمتع بكثير من الطيبات التي أحلها الله لعباده. حتى أصبحوا في نهاية الأمر لصوصاً سلابين كما أخبر به علي عليه السلام، و نص عليه عدد من المؤرخين و الباحثين.

و نؤكد على أن مما ساهم في إنحسار دعوتهم، و تحجيم نشاطهم سرعة تفرقهم، و تشعبهم فرقاً و أحزاباً، بسبب أنهم ـ كما قال علي عليه السلام ـ: " معاشر اخفاء الهام سفهاء الأحلام " الأمر الذي أعطى لأعدائهم الفرصة للاستفادة من هذه الحالة، فكان الملهب يحاول إلقاء الخلاف بينهم، و قد نجح في ذلك إلى حدٍ ما.

التعليقات

 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2269106

الخميس
23-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع