مقالات: في حُجّيّة الظهور      •      زكاة الفطرة لعام 1433هـ      •      الشكل المشروع للنظام المصرفي في المجتمع الإسلامي      •      التكامل الاجتماعي وأثره في ظهور الحجة عليه السلام      •      دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية      •      مسائل وردود: تقدم شاب لخطبة فتاة هل يصح أن تقول له ماضيها      •      هل تتنجس الملابس أثناء الجنابة      •      الجهل ببعض العقائد بسبب عدم وضوح الأدلة      •      الاستبراء وكيفيته      •      هل الحوزة تمثل المدرسي أم الشيرازي أم..؟      •     
»
» الإسلام والتأثيرات الاجتماعية للإنحراف
» الكاتب: الدكتور زهير الأعرجي - قراءات [10061] - نشر في: 2009-04-14


لا شك أن دعاة النظام القضائي الرأسمالي يتساءلون عن موجب الشدة في نظام العقوبات الإسلامي. ويزعمون أن القصاص في القتل والجرح والقطع والجلد، عقوبات في غاية العنف والقسوة مقارنة بنظام السجون الذي أقره القضاء الرأسمالي كعقوبة عادلة لجرائم القتل والسرعة والإعتداء والإغتصاب. ولكن فشل القضاء الرأسمالي في تصحيح الإنحراف وأبعاد الجريمة عن النظام الاجتماعي، وضع الكثير من المفكرين والمقننين على حافة السقوط في أحضان الفكرة القائلة بأن اجتثاث جذور الجرمية من المجتمع الإنساني لا يتم إلا عن طريق استخدام أقسى العقوبات الجسدية بالمنحرفين. ولكنهم عادوا وقالوا بأن قسوة العقوبات في الأحكام الجنائية، تتنافى مع تطلعات العالم المتحضر في النظر للإنسان باعتباره كائنًا متميزًا يحق له العيش في الحياة الطبيعية، حتى لو كان مجرمًا منحرفًا عن الخط الاجتماعي العام.

وهذه النظرة الرحيمة تجاه الإجرام تعتبر ظلمًا للضحية وإجحافًا بحقها في الاقتصاص والمماثلة والتعويض. فإذا كان القضاء الرأسمالي ينظر بعين العطف والرحمة إلى الجاني دون المجني عليه، فأين العدالة التي ينبغي تحقيقها بين المعتدي والمعتدى عليه؟ وإذا كان التحاكم إلى القضاء يعني الفصل بين الحق الباطل، فأين العدالة المزعومة في مساواة الحق بالباطل والمغصوب بالغاصب؟

ومع أن الاسلام ينظر إلى الإنحراف باعتباره اعوجاجًا يتوجب علاجه وتعديله، ويوجب على الحاكم الشرعي استرداد الحق و إرجاعه إلى أهله وذويه، إلا أن التشريع الإسلامي يريد بالقصاص والحدود ودفع الديات، تثبيت النظام الاجتماعي ونشر فكرة العدالة والأمان في ربوع الوطن الإسلامي. لأن تأثيرات انحراف السلبية على المجتمع وأفراده، تسبب نخرًا مستمرًا، وتهديمًا أساسيًا لأصول النظام الاجتماعي. وحتى نفهم الصورة الحقيقية للإنحراف الاجتماعي وتأثيره المستمر على المجتمع الإنساني لابد من إدراج هذه السلبيات المتمثلة بالحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: أن من سلبيات الانحراف إرباك النظام الاجتماعي. فانتشار القتل والسرقة والغصب والاعتداء على أعراض الناس يجعل الحياة الاجتماعية الرغيدة أمرًا صعب المنال، ويحمل الحياة اليومية الكثير من المفاجآت. فكما أن العامل المشاغب في مصنع آلي يستطيع إرباك الإنتاج، والطبيب المجنون في مستشفى للأطفال يستطيع خلخلة النظام الطبي، والمعلم المستهتر بقيم العلم يستطيع إرباك اذهان الطلبة، كذلك يفعل الانحراف في المجتمع الإنساني من خلال إرباكه لتوجه الأفراد وتطلعهم نحو حياة مستقرة هادئة.

الحقيقة الثانية: ومن سلبياته إرباك النظام الأخلاقي. فإن انتشار الانحراف وانعدام السيطرة الاجتماعية عليه بنظام أو قانون، يفتح الباب أمام الأفراد بتجاوز الخط الذي يفصل بين الحق الباطل، خصوصًا إذا كان نظام العقوبات متساهلاً مع المنحرفين. فإذا كان الانحراف يمثل حصيلة شريحة اجتماعية صغيرة العدد اليوم مع قانون متساهل، فإن الغد سيجلب منحرفين جدد، إلى أن يعم ذلك الانحراف جميع أطراف النظام الاجتماعي.

الحقيقة الثالثة: أن من سلبيات الانحراف استهلاك مصادر وطاقات بشرية نافعة لو لم تستخدم للسيطرة على الجريمة، لاستخدمت في مجال آخر لمنفعة الأفراد. فإذا علمنا أن النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة اليوم يصرف يوميًا مبالغ مالية على إطعام ورعاية ثلاثة ملايين سجين ارتكبوا جرائم مختلفة لعزلهم عن الاختلاط بالمجتمع، تبين لنا حجم المأساة الاجتماعية التي يعيشها ذلك النظام الرأسمالي. ومع أن هؤلاء السجناء قد أخرجوا عن ساحة العمل والانتاج، إلا أن الدولة مكلفة بأعشتهم ومراقبتهم وتقديم العلاج الطبي لهم، وهذا يكلفها كمية هائلة من الطاقات الانتاجية والبشرية.

الحقيقة الرابعة: ومن سلبيات الانحراف زوال الثقة بين الأفراد. والتعامل التجاري والتعليمي والثقافي عمومًا مبني على أساس الثقة. فالفرد يستأجر سيارة للانتقال من مكان إلى آخر باعتقاد أن السائق سيوصله إلى المكان المعين لقاء أجرة معينة، فإذا تبين أن السائق مجرم محترف هدفه سرقة المستأجر، انهدمت الثقة بين المستأجرين المؤجرين. ومثال آخر أن الأفراد يودعون أموالهم في المصارف فإذا تبين أن أصحاب المصارف لا يأتمنون على أموال الناس انعدمت الثقة بين المودعين والبنوك التجارية. ويضع الناس كذلك ثقتهم بالنظام السياسي فإذا تبين خيانة أفراد النظام لحقوق الناس زالت الثقة بين الحاكم والمحكوم. وانعدام الثقة هذا يكلف النظام الاجتماعي الاقتصادي أموالاً طائلة، بل أن انعدام الثقة بين المتعاقدين من أفراد المجتمع يؤدي في النهاية إلى تخريب النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجتمع الانساني.

ولذلك فإن النظام الإسلامي للعقوبات كان سيبقى حادًا وقاطعًا فوريًا في تعامله مع الانحراف والمنحرفين حتى يستطيع النظام الاجتماعي المحافظة على كيانه من الانحلال والتمزق. ونستطيع الآن إدراج إيجابيات النظام الإسلامي بالنقاط التالية:

أولاً: فعلى صعيد استقرار النظام الاجتماعي فإن فورية التعامل مع الإنحراف يبعد الحياة الاجتماعية عن المفاجآت المحزنة التي تجلبها جرائم الاعتداء والقتل والسرقة، فيستطيع الفرد أن يعيش ويحيَا في مجتمع تضلله شمس الأمان والحرية والسلام.

ثانياً: وعلى صعيد نظافة النظام الاجتماعي، فإن الإسلام يحاول اجتثاث الأمراض الاجتماعية من الجذور، فيرجم المنحرف خلقيًا كالزاني المحصن، ويجلد الزاني الأعزب، والقاذف والسكران، فيتأدب أفراد المجتمع بآداب الإسلام إلى حد أنه يأمرهم بأن لا يخرجوا من أفواهم كلمات نابية، أو يتهموا إنسانًا بريئًا، أو أن يجرحوا شعور فرد ما. فيكون من نتائج تطبيق هذا النظام على المجتمع الشعور بالطمأنينة والأمان، وازدياد المحبة والتعاون بين الناس، وارتفاع الطاقة الانتاجية لأفراد المجتمع كليًا.

ثالثاً: وعلى صعيد المصادر والطاقات البشرية فإن الإسلام يستثمرها بأكمل الوجوه. فلا يحتاج المجتمع الإسلامي إلا لعدد ضئيل من أفراد الشرطة، وعدد أقل من السجون. لأن العقوبة رادعة والنتيجة مضمونة. فلو سرق فرد وقطعت يده علنًا أمام الناس، ترى من يتجرأ على ارتكاب نفس الإنحراف مرة أخرى؟ هذا إذا علمنا أن من مسؤولية الدولة إشباع حاجات الناس الأساسية، وأن لها الحق في التدخل بما يضمن ذلك. حتى أن المنحرف المعاقب بأحكام الشريعة الإسلامية يعتبر أكثر إنتاجًا من المنحرف المعاقب في السجون الرأسمالية. فالسارق المحدود بحد السرقة يستطيع أن يعمل وينتج ويحيا حياته الطبيعية ويتوب إلى الله ويرجع إلى الحياة الاجتماعية كفرد طاهر من ذنوب الانحراف، الذي كان لابد من معالجته. أما المنحرف المسجون في النظام الرأسمالي فهو مصدر من مصادر الإجرام والشقاء، لأن السجن لا يؤدب المنحرف بل يزيده حقدًا وغضبًا على النظام الاجتماعي.

رابعاً: وعلى صعيد الثقة بين أفراد المجتمع، فإن النظام الإسلامي بتشريعاته الصارمة عل الثقة محور كل النشاطات الاجتماعية. فالثقة المتبادلة بين أفراد العائلة والجيران والقرابه وأبناء الحي وأبناء المدينة وأبناء الدين الواحد والدولة الواحدة، يرجع فضلها بالأصل إلى نظام العقوبات. فاطمئنان الفرد في المجتمع الإسلامي يرجع بالأساس إلى اطمئنانه على نفسه وماله وعرضه. فالمسلم يعلم أن العقوبة في النفس والمال والعرض صارمة إلى حد أنها تردع الآخرين عن مجرد التفكير بالقيام بالإنحراف. وهذه الثقة المتبادلة بين الأفراد تجعل المجتمع الإسلامي من أكثر المجتمعات البشرية إنتاجًا وأكثرها ثراءً. وأن الحرية التي يزعم النظام الرأسمالي منحها لأفراده لا تنهض بمستوى الحرية التي يمنحها الإسلام لأفراد الدولة الاسلامية. فأية حرية أعظم من اطمئنان الفرد على نفسه وماله وعرضه ينتقل متى شاء، ويتحدث بما شاء ضمن حدود الأدب الإسلامي، ويستثمر ماله أنّى شاء، وهو يعلم أنه لا يخاف على مال يسرق أو نفس تقتل أو عرض يهتك، فأية حرية أعظم من هذه؟ ولا يشك عاقل أن الإسلام لو حكم البشرية جميعًا بكل ألوانها وأشكالها، لما جاع فقير، وما هدر حق، وما انتصر باطل، لأنه دين الاعتدال والمساواة، ونظام الحق والعدالة الاجتماعية.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2359160

الأربعاء
17-يناير-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع